أكد الشيخ عبدالله بن محمد النعمه أن شهر رمضان كان مضماراً يتسابقُ فيه المحسنون بإحسانهم وطاعتهم، وميداناً يتنافس فيه الصالحون بأعمالهم واجتهادهم، فكان ذلك عاملاً مهماً في تهذيب النفوس، وترويض القلوب، يخرج المسلم المؤمن من هذا الشهر وقد استقام أمره على الطاعة والعبادة، فحريٌ بالمسلم أن يستمر على هذه الطاعة وأن يتقربَ إلى الله بالفرائض والنوافل، ولقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم المداومة على الأعمال الصالحة، ومن تمام الإحسان ولزومِ طريقِ الاستقامة والصلاح بعد رمضانَ، صيامُ ستة أيامٍ من شوال.
وقال الشيخ عبدالله النعمة في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم في جامع الشيوخ : كان من هديه صلى الله عليه وسلم المداومة على الأعمال الصالحة، رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:( كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ )، ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية تحث على الخير وفعل المعروف، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والعبادات، فمن أدَّى الفرائضَ، وأكثرَ من نوافلِ العباداتِ أحبَّه اللهُ، وقرَّبه إليه، ووفَّقه لطاعتِه، وأجابَ دعاءَه، وحفظه في حواسِه، وأعانَه على أمرِ دينِه ودنياهُ وآخرتِه.
ولقد جعل اللهُ مع كلِّ فريضةٍ افترضَها على عبادِه نافلةً من جِنسِها لتكونَ جابرةً لما يحصلُ فيها من النقصِ والخللِ، وهذه من رحمةِ اللهِ بعباده لعلمهِ بضعفهِم، وما يعتريهِم من النقصِ، وإنَّ من أفضلِ نوافلِ العباداتِ وأحبِّها إلى الله عبادةَ الصيامِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا (رواه البخاري ومسلم).
وأوضح الخطيب أن صيامُ التطوُّعِ من أعظمِ شُعبِ الإيمانِ، وأجلِّ خصالِ التعبُّدِ، مضيفاً أن هذا الصيامُ ينقسمُ إلى: تطوُّعٍ مطلقٍ: وهو أن يتطوعَ المسلمُ بصيامِ أيِّ يومٍ أرادَ من أيامِ السنةِ، إلا ما ورد النهيُ عنه كيومي العيدين، وأيامِ التشريقِ، وصيامِ يومِ الجمعةِ لمن قصد صومَه وحده.
ومن صورِ التطوعِ المطلقِ صيامُ يومٍ وفطرُ يومٍ، قال -صلى الله عليه وسلم-: ..أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (رواه البخاري ومسلم).
وثانيهما: التطوُّع المقيدُ: فهو المقيدُ بوقتٍ معينٍ، ومن ذلك: صيامُ الاثنينِ والخميسِ، فعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ الاثْنَيْنِ وَالْخميس) رواه النسائي
وقد سئل -صلى الله عليه وسلم- عن صيام يوم الاثنين ويوم الخميس فقال: ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ (رواه النسائي، وابن ماجه، وأحمد)
ومن ذلك أيضاً: استحبابُ صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهرٍ: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ (رواه البخاري، ومسلم).
ونوه الخطيب أن المستحبُ فيها صيامُ أيامِ البيضِ فعن أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِذَا صُمْتَ شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ (رواه النسائي، وابن ماجه، وأحمد).
ومن ذلك أيضاً: صيامُ أيامٍ معينةٍ مخصوصةٍ، ومنها: يومُ عاشوراء: وهو اليومُ العاشرُ من شهرِ محرمِ، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (رواه مسلم). ويسن أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده لمخالفة اليهود.
يومُ عرفةَ: وهو اليومُ التاسعُ من ذي الحجة، وهو مستحبٌ لمنْ لم يكن واقفاً بعرفة، قال -صلى الله عليه وسلم-: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ.. (رواه مسلم).
وأردف الخطيب: أما ما يسن صومه في بعض شهور العام، فمنها: صيامُ أيامٍ من شهرِ اللهِ المحرمِ: لقوله -صلى الله عليه وسلم-: أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ.. (رواه مسلم).
وصيامُ أغلبِ أيامِ شهرِ شعبان: لما ثبتَ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: .. مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلاً (رواه البخاري ومسلم).
فاحرصوا باركَ اللهُ فيكُم على هذا الخيرِ العظيمِ، وما يترتبُ عليهِ من الأجرِ الجزيلِ، فما ينفعُ العبدَ عند لقاءِ ربه إلا ما قدمَّهُ من عملٍ صالحٍ ينفعُه يومَ العرضِ عليِه.
وقال الشيخ عبدالله النعمة: عباد الله... اعلموا أن من تمام الإحسان ولزومِ طريقِ الاستقامة والصلاح بعد رمضانَ، صيامُ ستة أيامٍ من شوال، ندبكم إليها رسولكم صلى الله عليه وسلم بقوله في صحيح مسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثم أَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ).