لم تكن خطة التحول الاقتصادي التي أعلنت عنها المملكة العربية السعودية أخيرا، ورؤيتها الاقتصادية الجديدة التي تمتد إلى عقود قادمة، سوى جزء من رؤية خليجية شاملة لانتهاج سياسات اقتصادية بديلة، لتحقيق معدلات النمو فوق المستهدفة، والتي تأثرت عوامل تحقيقها سلبا بالتغيرات الاقتصادية العالمية التي تركت آثارا سلبية على الاقتصاد الدولي واقتصادات المنطقة على حد سواء، عل أبرزها أزمة أسعار النفط والتي كان لها الأثر المباشر على حركة التنمية المستقبلية في دول العالم بشكل عام والخليجية بصفة خاصة، وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن إيرادات الدول التي تعتمد على النفط كمورد أساسي، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، تأثرت بشكل واضح بتراجع أسعار النفط.
ومع تفاقم أزمة النفط كانت الحاجة إلى سياسات اقتصادية بديلة تعتمد وبشكل أساسي على عدم تعظيم الاستفادة من إيرادات النفط والبحث عن موارد أخرى، تحمى الميزانيات من عجز محقق، وتقوم على تنفيذ المشروعات الاقتصادية خاصة المتعلق منها بالبنية التحتية في دول الخليج، مع تراجع قدرة الحكومات على الإنفاق العام على الكثير منها.
وتتمحور عمليات التحول والرؤية الاقتصادية الشاملة في منطقة الخليج على تبني سياسات تفتح المجال لنشاط القطاع الخاص وإفساح المجال أمامه للمشاركة فى عمليات التعمير وتنفيذ المشروعات الكبرى كما هو الأمر في السعودية وقطر التي تستعد لاستضافة كأس العالم 2022 بما يتطلبه ذلك من إعدادات للبنية التحتية والتجهيزات الإنشائية التي يتطلبها الحدث العالمي الكبير، وكذلك في الكويت التي تعتمد في سياساتها على تمويل مشروعات كبيرة، وهو نفس الشيء الحاصل في باقي دول مجلس التعاون.
توسيع مشاركة القطاع الخاص إذن هي هدف وسياسة اقتصادية بديلة في دول الخليج وحتى تكون ناجحة يجب ألا تصل مشاركة القطاع الخاص إلى حد المغالبة في الأنشطة الاقتصادية، وتراجع دور الحكومات نظرا لاختلاف الأهداف الاقتصادية بينهما، ففي حين يسعى القطاع الخاص لتعظيم الربحية بما يترتب على ذلك من أعباء على المستهلكين تتمثل في زيادة الأسعار بشكل يحقق فارقا كبيرا بين تكاليف الإنتاج وجملة الإيرادات لتحقيق هامش ربح عالٍ، فإن أنشطة الحكومات غير هادفة للربح ويجب أن تستمر بذات الوتيرة لامتصاص الفجوات التي تسببها أنشطة القطاع الخاص، مع ضرورة تحديد آليات عمل القطاع الخاص على ألا يطغى على النشاط الاقتصادي في الدول.
من بين السياسات البديلة أيضا إعادة النظر في السياستين النقدية والمالية بما تشتملهما من سياسات الدعم والضرائب والقيم المضافة وغيرها، وكلها عوامل اقتصادية تؤثر في النهاية على إيرادات الدولة ومن ثم مخصصات الاستثمار.
ويبقى تشجيع الادخار وما يتطلبه من أسعار فائدة مشجعة لتعظيم معدلاته وتحويله إلى استثمار لدعم الاقتصاد وتحقيق معدلات النمو المطلوبة، وكل ذلك يأتي في إطار سياسات اقتصادية بديلة نجح فيها الخليج لتعويض خسائر الأزمات العالمية.