ضعف التضامن الأوروبي في أزمة إمدادات الغاز

لوسيل

تورنتو: شوقي مهدي

تكتب الحرب الروسية الأوكرانية شرق القارة الأوروبية فصلاً جديداً في تاريخ التضامن الأوروبي وتبرز الأزمة التي اندلعت في الشرق منذ أكثر من 5 أشهر القارة العجوز وهي في أصعب أوقاتها.

تنص قواعد سوق الطاقة الأوروبية الموحدة بأنه لا يسمح للبلدان بكبح التدفقات نحو الجيران لفترات طويلة، ولن يتم اجراء تخفيضات الا إذا تم إعلان حالة الطوارئ. الأمر الذي يفرض تساؤلات بشأن خطط دول مثل النرويج بخفض صادرات الطاقة نحو جيرانها الأوروبيين.

الأزمة الراهنة كشفت عمق الخلاق الأوروبي-الأوربي عندما يتعلق الأمر بالطاقة التي أصبحت مهدداً لقيم التضامن الأوروبي.

لعل أحد أهم لحظات الاختبار للتضامن الأوروبي، عندما قرر الاتحاد الأوروبي القطع الالزامي للغاز الروسي، حيث وجد معارضة شديدة من كل من المجر واليونان وبولندا، واستمر الخلاف لأسابيع طويلة حتى توصل الجميع لصيغة قرار يراه البعض ضعيف وفي الحد الأدنى، وشمل استثناءً لهذه الدول التي تعتمد على الغاز الأوروبي بشكل كامل.

تباين أوروبي

في مايو الماضي ظهر التباين جلياً في المواقف الأوروبية تجاه أزمة الغاز، عندما أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يقضي بفتح المشتريين للغاز حسابين في (غازبروم بنك) أحدهم بالعملة الاجنبية والآخر بالروبل، في إطار خطط دفع ثمن شراء الغاز بالعملة الروسية (الروبل) للدول غير الصديقة.

المواقف الأوروبية تباينت بين من يجرم شراء الغاز الروسي بالروسي بالروبل نزولاً عن رغبات الكرملين، بينما يراه الأخرين فعلاً اقتصادياً لا غبار عليه.

وفيما أكد رئيس الوزراء التشكيلي بيتر فيالا موقف بلاده الرافض للدفع بالروبل. قالت الوزيرة النمساوية لشؤون الاتحاد الأوروبي كارولين إن سداد مدفوعات الغاز الروسي باليورو يتوافق تماماً مع القانون.

وأكدت الوزيرة النمساوية أن التضامن الأوروبي ضرورة ملحة في ازمة الطاقة الراهنة وخاصة في دول الجنوب الأوروبي.

6 دول خارج خدمة الغاز الروسي

وفي الثلاثين من يوليو الماضي أوقفت شركة الغاز الروسية (غازبروم) امدادات الغاز إلى لاتفيا لتصبح أحدث دولة في الاتحاد الاوروبي تتعرض لهذا الإجراء في خضم حالة التوتر الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.

ولاتفيا هي الدولة السادسة التي تقطع عنها روسيا الغاز في خطوة تستهدف بشكل مباشر الاقتصاد الاوروبي وتكشف ايضاً انقسامات في الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية الرد على موسكو.

ومنذ اجتياح روسيا لأوكرانيا وتشديد العقوبات الغربية، أوقفت غازبروم إمداداتها لكل من بلغاريا، وفنلندا، وبولندا، والدنمارك وهولندا، بسبب عدم التسديد بالروبل. وأوقفت روسيا أيضا بيع الغاز لشركة شل في ألمانيا.

يقول كوستناتين كرينسكي من منظمة (Aqua action) وهي إحدى المنظمات غير الحكومية إن كبار مشتري الوقود الأحفوري الروسي في القارة العجوز، غضوا الطرف وعلى مدى عقود عن الانتهاكات التي يقوم بها الكرملين تجاه حقوق الإنسان والقوانين البيئية الدولية. وإن هذا الخطأ الأخلاقي والاستراتيجي باتت عواقبه وخيمة الآن للجميع.

يأتي ذلك في الوقت الذي تدفع فيه أزمة الطاقة التضخم في أوروبا نحو وتيرة متسارعة، مما دفع ما يعرف بـ أزمة تكلفة المعيشة على رأس جدول الأعمال السياسي.

وأعلنت المملكة المتحدة في أواخر مايو عن حزمة مساعدات بقيمة 15 مليار جنيه إسترليني للأسر، بينما وافقت فرنسا في أوائل أغسطس على 20 مليار يورو كحزمة لمكافحة التضخم للمنازل. دول أخرى مثل إيطاليا إلى السويد قامتا أيضًا بتعويض مواطنيها.

في حين يتم تقديم هذه كإجراءات مؤقتة، فإن القطيعة مع روسيا تعني أن أوروبا تواجه تكاليف طاقة أعلى في المستقبل المنظور. ومع الإلغاء التدريجي لدعم مصادر الطاقة المتجددة، ستحتاج أسعار الطاقة أيضًا إلى تغطية تكلفة الاستثمارات الخضراء.

فرصة حقيقية

البعض يرى بأن الأزمة الحالية هي بمثابة فرصة حقيقية للاتحاد الاوروبي لإظهار قوة تضامنه في وقت الأزمات، لطالما ظلت هذه القيم (التضامن) محصورة لفترات طويلة في الخطب والتصريحات حتى جاءت أزمة 2010 التي أصابت كل من اليونان وأيرلندا والبرتغال التي تجاهلت قواعد العملة الموحدة ونتيجة لذلك خسرت امكانية الوصول لأسواق رأس المال. واستمرت هذه الأزمة 5 سنوات حتى انتهت بكلفة اقتصادية ومصاعب كبيرة.

التحدي الحقيقي أمام هذا التضامن هو الواقع الذي فرضه تفاوت اعتماد هذه الدول على الغاز الروسي فدول مثل البوسنة والهرسك ومولدوفا ومقدونيا الشمالية تعتمد على الغاز الروسي بنسبة 100%، وبقية الدول نجدها كالتالي: النمسا 86%، وبلغاريا 79%، واليونان 64%، والمجر 61%، وألمانيا 49% وايطاليا 38%، بينما نجد كل من فرنسا 15% وبلجيكا 14% فقط، بينما لا تعتمد المملكة المتحدة على الغاز الروسي وتستفيد من مواردها المحلية وواردات الغاز المسال.

مقترحات وليست طموحات

ووفقاً لتقرير نشرته بلومبيرغ فان خطة الطاقة في أوروبا ليست طموحة بما يكفي، لمواجهة شتاء طويل بدون الغاز الروسي.

وحسب التقرير فإن الرئيس الروسي، وبكل المؤشرات يقوم باستخدام صادرات الطاقة كسلاح لتقسيم أوروبا وتقويض دعمها لأوكرانيا. وخفضت شركة غازبروم الروسية المملوكة للدولة تدفقات الغاز إلى أوروبا عبر خط (نورد ستريم1) إلى 20% من السعة العادية، وألقت باللوم على مشكلات الصيانة. ومع استمرار الحرب يظل خطر قطع الغاز الروسي عن أوروبا احتمالاً قائماً.

هذا من شأنه (قطع الغاز) أن يحرم ملايين الناس في أوروبا من التدفئة في الشتاء، حتى إذا تمكن الاتحاد الأوروبي من تخزين 90% من طاقته من الغاز مقدماً وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، فقد يواجه الاتحاد اضطرابات شديدة.

وعلى الرغم من التزامها بـ التضامن الا أن أوروبا كافحت للرد على هذا التهديد. فإن الخطة الأولية للمفوضية الأوروبية التي دعت الدول الأعضاء إلى تقليل استخدام الغاز بنسبة 15% ماتت فور وصولها. دعمت ألمانيا التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي هذا الاجراء بشكل طبيعي، ولكن العديد من الدول الأخرى توقعت أن يتسبب ذلك في ألم غير متناسب مقابل القليل من المنفعة الجماعية.

كما أشار وزير الطاقة البرتغالي، فإن فرض تخفيضات شاملة لا معنى له عندما لا يكون التوزيع في أوروبا مرتبطًا بأي شكل من الأشكال.

واعربت فرنسا عن معارضتها لتحديد هدف موحد لخفض استهلاك الغاز في أوروبا، بعد اقترحت المفوضية الاوروبية خفضاً بنسبة 15% مؤكدة في الوقت نفسه عزمها على التضامن الكامل مع ألمانيا.

وقبل اقرار الخطة أعلنت نائبة رئيس الوزراء الإسباني، تيريزا ريبيرا، رفض حكومة بلادها مقترح المفوضية الأوروبية لخفض استهلاك الغاز بنسبة 15٪، و عدم استعداد بلادها لتقديم التضحيات . وقالت ريبيرا: نحن ندافع عن القيم الأوروبية، لكن لا يمكننا تقديم تضحيات لم يأخذ أحد رأينا بها .

استفزاز روسي

ونشرت السفارة الروسية في اسبانياً قبل أسابيع اعلاناً ترويجياً لروسيا مثير للجدل وجد انتقاداً واسعاً من الأوروبيين.

الفيديو الروسي يدعو الأوروبيين للجوء إلى روسيا مستعرضاً المزايا في مقارنة ضمنية مع صعوبات القارة العجوز، حيث يقول الإعلان حان وقت الانتقال الى روسيا لا تتأخروا. الشتاء على الأبواب هذه روسيا، مطبخ لذيذ، وكهرباء وماء رخيصة، وتوصيل رخيص .

فحوى الفيديو الذي وجد انتقاداً كبيراً من قبل الأوروبيين واعتبره البعض استفزازاً من موسكو لأوروبا في وقت محنتها.

يجسد الفيديو عمق الصراع الروسي الأوروبي، واستغلال موسكو للفرص للنيل من القارة العجوز في هذا التوقيت الذي يعتمدون فيه على روسيا بشكل كبير في استيراد السلع الاستراتيجية مثل الطاقة.