شهدت السنوات الماضية مزيداً من التكامل بين التقنيات التكنولوجية المتقدمة وآليات إدارة المرافق المتعلقة بالطاقة في العديد من المدن حول العالم، خاصة مع تنامي تقنيات إنترنت الأشياء IOT التي تسمح بالتحكم في الاستهلاك سواء على مستوى عدد من المباني أو مدن بأكملها.
وتشير الدراسات إلى أن المزيد من الاعتماد على التقنيات الذكية في إدارة المرافق قادر على توفير ما يزيد على 10 مليارات دولار بحلول عام 2030 عالمياً، وتسمح البنية التحتية المتقدمة في قطر بمزيد من التوجه نحو التقنيات الذكية في إدارة المرافق، والمشروعات العمرانية العملاقة التي تتبناها الدولة مثل مدينة لوسيل ومشروع مدينة مشيرب، تؤكد على أن المستقبل يتجه نحو مدن المستقبل التي توفر خدمات متقدمة ومرافق ذات كفاءة عالية وتحافظ على مستويات قليلة من الطاقة المفقودة.
تقرير شركة إرنست ويونغ EY الصادر حديثاً أكد أن التقنيات الذكية يمكن أن تساهم في خفض المتطلبات الاستثمارية في محطات توليد الطاقة وتحلية المياه الجديدة بقيمة تقدر بنحو 10 مليارات دولار بحلول عام 2030، ويمكن تحقيق ذلك من خلال خفض الحمولة القصوى، ورفع القدرة الإنتاجية، وتحسين الصيانة وتقليل مختلف أنماط الاستهلاك.
وأوضح التقرير أن معظم مشاريع العدادات الذكية في دول مجلس التعاون الخليجي تشتمل على عدادات مزدوجة تقيس استخدام المياه والطاقة معاً، وهي عملية سهلة التطبيق في دول مثل قطر والإمارات، حيث تتولى المرافق المسؤولية عن كلا القطاعين.
تفوق قطري
ويؤكد الخبير العقاري، المهندس أحمد العروقي، أن المباني والمدن القطرية تتجه حاليا نحو مزيد من الاعتماد على تلك التقنيات الحديثة، التي تتيح التحكم في استهلاك الطاقة داخل المباني والمدن بشكل عام، وهو ما يوفر نسبا كبيرة من الهدر الذي يحدث في الطاقة، ويتم توزيع الطاقة وفقاً للحاجة.
وقال إن مثل هذا التوجه المحمود نلمسه في المشروعات القائمة حاليا في مدينة لوسيل التي سيتم توفير التبريد والغاز الطبيعي والكهرباء والإنترنت لها عن طريق شبكات ذكية ضخمة، تتيح التحكم في استهلاك كل تلك الموارد بشكل مركزي، وهو ما يعد أحد المشاريع الرائدة حول العالم في هذا المجال.
الأعلى استهلاكاً
وقال كريستيان فون تيرشكي، مدير قطاع الطاقة والمرافق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في EY: تصنف دول مجلس التعاون الخليجي بين الدول الأكثر استهلاكاً للمياه في العالم من حيث حصة الفرد الواحد، وتقوم هذه الدول بعمليات مكثفة لتحلية المياه لتلبية الطلب اليومي الذي يفوق بكثير إمدادات المياه العذبة المتوفرة لديها.
ويساهم تطوير شبكات المياه الذكية في توفير بيانات أكثر حول توزيع المياه وكيفية استخدامها، ومساعدة المرافق في معرفة كيفية حفظ وتأمين إمدادات المياه في المستقبل.
كما تسمح التقنيات الذكية بخفض النفقات الرأسمالية بشكل كبير في مختلف أرجاء المنطقة، وأن امتلاك دول المنطقة لهذه البنية التحتية يؤهلها للاستفادة المثلى من المبادرات الذكية في مجال الطاقة والمياه .
إنترنت الأشياء
وخلال منتصف مارس الماضي أعلنت فودافون - قطر عن إطلاق منصتها العالمية للاتصال بين الأجهزة (M2M) في قطر، والتي تشمل منصة قابلة للتطوير للاتصال بين الأجهزة مع بوابة تفاعلية مفتوحة أمام المستخدمين النهائيين، وبطاقات SIM عالمية مدعومة بأضخم شبكة للاتصالات في العالم، وحلول أمان رفيعة المستوى، وخبرات أكثر من 1300 متخصص بمجال الاتصال بين الأجهزة، ومحفظة واسعة من محطات الاتصال بين الأجهزة، بالإضافة إلى تطوير وتمكين واختبار وتسويق الخدمات والتطبيقات.
وتتيح هذه الخطوة للشركات العاملة في قطر فرصة الوصول إلى أحدث منصات الاتصال بين الأجهزة وحلول إنترنت الأشياء، والتي تتضمن تطوير المدن الذكية.
يظهر بحث أجرته فودافون أن الشركات مدركة تماماً للإمكانات المهمة التي تنطوي عليها تكنولوجيا إنترنت الأشياء بالنسبة لأعمالها، حيث تستخدم أكثر من ربع الشركات حول العالم حالياً تكنولوجيا الاتصال بين الأجهزة لتعزيز إنتاجيتها.
وقد أشارت 59% من الشركات إلى تحقيق عائدات كبيرة من خلال الاستثمار في هذه التكنولوجيا، في حين تنظر 83% من الشركات إليها على أنها تمثل مصدراً مهماً للميزة التنافسية.
ويعتبر ترشيد الطاقة وتحسين الأمن، من المحفزات الرئيسية للحصول على تطبيقات إنترنت الأشياء، التي أصبحت تشكل ضرورة كبيرة في المنازل، خاصة عند طرحها في الأسواق كسلع عامة.
وصاحب هذه التطبيقات الكثير من الجدل في الماضي، عندما كانت باهظة التكلفة وتستهدف شريحة معينة، لكنها تلقى الآن الكثير من الاهتمام لما تتميز به من فوائد متعددة.
وانخفضت أسعار هذه التطبيقات بنسبة قدرها 10% خلال السنة الماضية، مع توقعات باستمرار الانخفاض على مدى السنوات القليلة المقبلة في ظل زيادة معدلات الإنتاج، وفق تقديرات شركة إنتل أوروبا.
الربط الخليجي
ويؤكد جون بلاكبرن، مدير في قسم استشارات قطاع الطاقة والمرافق في EY أنه يمكن للبلدان التي بدأت الاستثمار في الشبكات الذكية البحث عن فرص في الخارج أيضاً، وهو ما يظهر من خلال شبكة الربط الكهربائي الخليجي، وتمكن للمرافق في المنطقة الاستفادة من كونها أول المبادرين إلى تطوير العمليات التي تتجاوز خدمات العدادات، بالنظر إلى ضخامة حجم البيانات التي توفرها التقنيات الذكية. موضحاً أن الولايات المتحدة الأمريكية حققت ما يقدر بنحو 12 -23% من العائد على الاستثمار عبر توفير خدمات إضافية مثل منتجات إدارة الطاقة المنزلية. ويؤكد الخبراء أن مثل تلك الخدمات الإضافية قد تساهم في توفير 25 ألف فرصة عمل جديدة خلال الأعوام المقبلة.
ومن هنا ينبغي على قطاع المرافق أخذ موضوع أمن البيانات على محمل الجد، والتأكد من قدرة أنظمة إدارة البيانات لديه على التعامل مع هذه المسألة.
مبادرة ترشيد
مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة ارتفعت نسبة استهلاك الكهرباء 13% خلال شهر أبريل الماضي مقارنة بشهر مارس ليصل إلى نحو 2.8 مليون ميجا واط/ ساعة، وهو ما واكبه ارتفاع بنسبة 12.2% بإجمالي الكهرباء المولدة إلى مستوى 2.990 مليون ميجا واط، كما ارتفع استهلاك المياه بنسبة 2% ليصل إلى 43 مليون متر مكعب، وارتفع إنتاج المياه بنسبة 3.2% ليصل إلى 45 مليون متر مكعب.
واحتفلت المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء كهرماء أبريل الماضي، بالذكرى السنوية الرابعة للبرنامج الوطني للترشيد وكفاءة الطاقة ترشيد ، وقد نجح ترشيد منذ بدايته وحتى الآن في خفض معدل استهلاك الفرد من الكهرباء بنسبة بلغت حوالي %14 وخفض استهلاك المياه بنسبة بلغت حوالي %17 مما أدى إلى خفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون وخفض استهلاك الغاز الطبيعي، مما حقق الوفر المالي بحوالي 800 مليون ريال بنهاية 2015.
جدير بالذكر أن كهرماء أطلقت البرنامج الوطني للترشيد وكفاءة الطاقة ترشيد في عام 2012 تحت الرعاية الكريمة لسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، بهدف تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030، والسعي من خلاله إلى نشر ثقافة الترشيد بخلق بيئة نموذجية للحفاظ على الموارد الحيوية في الدولة وخفض مستويات استهلاك الكهرباء والماء لتحقيق الأهداف المرجوة لخفض استهلاك الكهرباء والماء بنسبة 20% و35% على التوالي، وصولاً إلى العام 2017 والمحافظة على نسبة الخفض حتى عام 2020 بالرغم من الزيادة السكانية المتوقعة وما يصاحبها من زيادة على الطلب للكهرباء والمياه.
ووفقاً لتقرير صدر حديثاً عن جمعية الشرق الأوسط لإدارة المرافق بوسع دول مجلس التعاون الخليجي توفير 3.5 مليار دولار عبر اللجوء إلى المباني المرشّدة لاستهلاك الطاقة (المباني الخضراء). وفي ظل استحواذ الطاقة وإدارة المرافق مجتمعين على ما يصل إلى 90% من تكاليف المبنى.