طالب خبراء ماليون ومصرفيون بضرورة أن تقوم البنوك والمصارف المركزية في مختلف دول العالم بإصدار موقف موحد حول العملات الرقمية وعلى رأسهم عملة بيتكوين الإلكترونية، وذلك على خلفية وصولها إلى قمم سعرية جديدة وتسجيل ارتفاعات قياسية وتاريخية غير مسبوقة، وهو ما انعكس على تحركات المستثمرين طيلة الأسبوع الماضي، حيث ارتفعت هذه العملة بشكل جنوني، يرى فيه بعض الخبراء والمختصين أنه ارتفاع مفتعل وغير واقعي ولعل ما ألهب شرارة الارتفاع هو إعلان العديد من الشركات والمؤسسات المالية عن نيتها بدء تداول تلك العملات الإلكترونية وفي مقدمتهم شركة تسلا الأمريكية التي أعلنت عن استعدادها لبيع منتجاتها من السيارات مقابل العملات الإلكترونية بالإضافة إلى شرائها لعملات إلكترونية بقيمة 1.5 مليار دولار أمريكي، ومؤخرا إعلان شركة كاونتر بوينت جلوبال، التابعة لبنك مورجان ستانلي والتي تدير أصولا قيمتها تتجاوز 150 مليار دولار، التي تبحث فيما إذا كانت العملات الرقمية ستكون خيارا استثماريا مناسبا للمستثمرين.
ومنذ الأسبوع الماضي نجحت عملة البيتكوين في اختراق المستوى 50 ألف دولار أمريكي في أكثر من مناسبة، في ظل توقعات بأن يتواصل الزخم المضاربي خلال الفترة المقبلة ليقفز ربما بأسعار العملات الرقمية والإلكترونية وعلى رأسها عملة البيتكوين إلى المجال الحركي بين 50 ألفا و100 ألف دولار أمريكي، خاصة بعد أن أصبح المستثمرون يعتبرون أن العملات الإلكترونية والعملات المعماة قد تتحول خلال الفترة القليلة المقبلة إلى ملاذات آمنة وتحوط في مواجهة كافة التحديات والأزمات المالية والاقتصادية المحتملة في ظل تواصل انخفاض أسعار الدولار الأمريكي بعد تخفيض أسعار الفائدة الدولارية من قبل الفيدرالي الأمريكي طيلة العام الماضي في أكثر من مناسبة للحد من الآثار الاقتصادية الناتجة عن فيروس كورونا كوفيد 19 ، بالإضافة إلى تذبذب مستويات التضخم العالمي والذي سجلتها العديد من الدول والذي جاء في أغلبه سالبا بشكل كبير، مع الإشارة إلى أن بنك الاستثمار جيه بي مورجان كان قد أعلن مطلع العام الجاري أن عملة بيتكوين الرقمية قد يجري تداولها عند سعر 146 ألف دولار إذا رسخت وضعها كأصل استثماري آمن يرقى لمستوى الذهب والعقارات. إلى ذلك، فقد زادت القيمة السوقية لبيتكوين خلال أسبوع واحد بأكثر من 26% لتتجاوز مستويات الـ 900 مليار دولار أمريكي في مرحلة أولى، ولتواصل صعودها في مرحلة ثانية متجاوزة حاجر التريليون دولار أمريكي.
بلغت عوائد التعدين للمعدنين خلال يوم الثلاثاء نحو 41.3 مليون دولار أمريكي، في حين قدرت تكلفة المعاملة الواحدة بدءا من التعدين إلى التحويل إلى المبادلة والتداول نحو 146 دولارا أمريكيا، كما ارتفع معدل جهد التعدين من حيث الكهرباء والجهد المستحق للتعدين وضمان أمان العملات ليصل إلى نحو 21.5 طن من الجهد في الثانية الواحدة، مقارنة بالمستوى المسجل في نفس التاريخ من العام الماضي حيث كان يقدر بنحو 15.5 طن من الجهد في الثانية الواحدة.
وارتفع عدد العملات الإلكترونية التي هي في التداول خلال السنوات الماضية بشكل جنوني، حتى أن عددها تجاوز 4481 نوعا بمختلف القيم، وأشهر تلك العملات المعماة البيتكوين والاثيريوم وتيثير وهي العملات الأعلى سعرا، أما العملات التي تتذيل الترتيب من حيث القيمة فهي الاي ام سي.
يبلغ متوسط عمليات التداول للعملات الإلكترونية خلال الأربعة والعشرين ساعة لما لا يقل عن 190.4 مليار دولار أمريكي، من خلال تداول يوميا خاصة أن عددا من العملات المعدن من عملة البيتكوين يصل إلى نحو 18.6 مليون عملة، في حين بلغ إجمالي ما تم تداوله في البورصات المعروفة لعملة البيتكوين نحو 790 مليون دولار، في حين ينفذ يوميا ما لا يقل عن 350 ألف معاملة بمتوسط 4 إلى 5 معاملات في الثانية، في حين يبلغ حجم المشتريات المؤكدة من العملة يوميا في إطار المشتريات نحو 700 ألف عملية مشتريات، في حين قدر متوسط التحويلات المؤكدة خلال الأسبوع الماضي بنحو 6 مليارات دولار أمريكي.
شهدت الفترة الأخيرة قيام العديد من الشركات الاستثمارية المختصة بدراسة آفاق العملات الإلكترونية وأطلقت عروضا استثمارية للتداول وبالأخص غير ذوي الخبرة في مجال البلوكتشين والعملات الإلكترونية، وهذه الشركات منتشرة حول أنحاء العالم، غير أن تلك الشركات لا توفر الحد الأدنى من الضمانات الاستثمارية وتغطية المخاطر الاستثمارية وهذه الشركات عددها محدود نظرا لغياب التشريعات والضمانات الأساسية. في الطرف المقابل، هناك بعض الشركات أو الأشخاص تقوم بانتحال صفة الشركات، حيث تقوم بإرسال رسائل إما إلكترونية أو على الهاتف الجوال للأفراد تغريهم فيها بالكسب السريع والمضمون من العملات الإلكترونية وتطالبهم بإرسال حساباتهم المالية والمصرفية إلى حسابات وهمية قبل أن يتم الاستيلاء عليها وقرصنتها من العديد من المناطق.
تعارض بعض الدول التعامل بهذه العملات في حين تجرمها دول أخرى، فعلى سبيل المثال تسمح ألمانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية بتداولها وتحصل عليها رسوما في حين تعارض فرنسا إلى حد اللحظة التعامل والتداول بالعملات الافتراضية كما تجرم لبنان التعامل بهذه العملات، وكانت بعض الدول الأخرى أعلنت أنها ستلاحق أشخاصا قاموا بإنشاء بورصة لتداول البيتكوين بعد أن طالبوا بالسماح بتداولها. وترى تلك الدول ان حجم الجرائم العابرة للقارات يرتفع منسوبه بشكل كبير وغير اعتيادي حيث يمكن أن يختبئ المجرمون خلف حسابات وهمية دون التفطن إليهم، وبما يمكنهم من تحويل الأموال ونقلها بشكل في غاية من السرية وحتى التكتم على مختلف كلمات المرور والوصول إلى تلك الأموال ومخازن التعدين وحفظ تلك الأموال على غرار العديد من الجرائم والحالات التي سجلت مؤخرا وفي مقدمتها ما حصل خلال الأسابيع الماضية في ألمانيا، وتشمل تلك الجرائم عمليات غسل الأموال وتجارة الأسلحة والمخدرات.
إلى حدود هذا التاريخ، لا توجد تشريعات تنظم التعامل بالعملات الإلكترونية المعماة لعدة اعتبارات وفي مقدمتها ارتفاع المخاطر المتعلقة بالجرائم العابرة للقارات، ثانيها غياب أي ضمان عيني ومادي تستند إليه تلك العملات بالإضافة إلى سكوت البنوك المركزية عن موضوع العملات الإلكترونية والاكتفاء ببعض التصريحات المختصة والتي إما تمنع التعامل بالعملات الإلكترونية أو أن تلك البنوك المركزية تكتفي بالتأكيد على أنها تقوم بدراسة واقع وآفاق العملات الإلكترونية. في المقابل هناك من يرى أن الجهات المسؤولة عن تنظيم تلك العملات هي وزارات المالية أو وزارات الاتصالات أو وزارات الداخلية على اعتبار أن تلك الأموال قد يرتبط جزء منها بالجرائم العابرة للقارات، في حين تجمع تلك الجهات على أن الجهة المسؤولة عن وضع التشريعات هي البنوك المركزية، بالتنسيق مع الوزارات سابقة الذكر، وخاصة في ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ارتأت البنوك المركزية خلال السنوات الماضية رقمنة عملاتها وأنظمة المدفوعات، وذلك للتصدي لموجة انتشار العملات المعماة والمخاطر التي تنطوي عليها وذلك كحل بديل، بالإضافة إلى الضغوطات التي خلفها فيروس كورونا من خلال اعتماد القنوات المالية والمصرفية الإلكترونية لتنفيذ المعاملات المالية في إطار الإجراءات الاحترازية لمكافحة فيروس كورونا، غير أنه إلى حد الآن فإن عملية الرقمنة للعملات الرسمية وأنظمة المدفوعات لا توفر الهامش الاستثماري والربحي الذي توفره العملات الإلكترونية التي يتم تداولها في بورصات خاصة بها.
يرى الخبراء والمختصون أن الاعتراف بالعملات الإلكترونية سينعكس إيجابيا على تلك العملات بما قد يساهم في تدعيم حركة الأسعار المرتفعة، وربما يزيد في تحقيق ارتفاعات قياسية أخرى ويدعم الإقبال عليها بشكل كبير وبالأخص إذا ما تم إدراجها في البورصات الرئيسية أو الثانوية في الأسواق العالمية المختلفة، بل قد يؤدي بها إلى أن تكون أحد الملاذات الاستثمارية الآمنة وبدل الذهب. في حال رفضها عالميا فإن قيمتها ستهوي بشكل كبير.
يقول قاسم محمد قاسم الخبير المصرفي والرئيس السابق لأحد المصارف الإسلامية العاملة في دولة قطر إن البنوك المركزية في مختلف دول العالم مطالبة اليوم بتوضيح موقفها بشكل رسمي إزاء العملات الرقمية، مضيفا أن التطورات الحاصلة على مستوى العملات الإلكترونية تجعل من كل المصرفيين وأصحاب الخبرة القديمة غير قادرين على فهم المنطق من وراء هذا الارتفاع، وتابع قائلا: البنوك المركزية لا تزال رغم رقمنة عملاتها الوطنية تتحفظ حول قبول العملات الإلكترونية من عدمه، فاليوم لا بد من سماع مواقف واضحة من البنوك المركزية بدل ترك المستثمرين الداخليين ممن يمتلكون المعلومة الداخلية يراكمون الإثراء على حساب الناس والمستثمرين محدودي المعرفة الذين يكونون عادة الأكثر عرضة للمخاطر.
وقال إنه إلى حد هذا التاريخ لا توجد بنوك مركزية تقبل التسويات في أنظمة المدفوعات بهذه العملات، كما لا يجب في نفس الوقت ترك الآخرين يقومون بتسويات باعتماد العملات الإلكترونية وعند خسارتهم يطالبون البنوك والبنوك المركزية بتعويضات على خسارة أموالهم.
واعتبر أن ارتفاع الطلب والسعر هو أمر مفتعل يترك الفرصة للبعض في الإثراء، في وقت يعيش فيه العالم أزمة مالية واقتصادية بسبب جائحة كورونا وهو أمر غير منطقي بالمرة. وتابع قائلا: من قاموا بالاستثمار لديهم في تحقيق أرباح وتنفيذ عمليات بيع قبل موجة التصحيح وعادة كل المضاربين يتحركون على هذا الأساس وهو ما يرفع مستوى المخاطرة، خاصة أن جانبا منهم يفتقد للخبرة وبالتالي نرى مشاكل كبيرة والخشية وكل الخشية على ذوي الخبرة المحدودة حيث تكون خسائرهم ضخمة. مشددا على أنه لا توجد أي دولة تتعهد بقيمة البيتكوين الذي بدأ بقيم ضئيلة واليوم يتحرك بمستوى قياسي، مشددا على أنه لا يوجد اليوم أي بنك في العالم يضمن للمستثمرين في هذا العملة دفع أو استبدال وحدة البيتكوين بالقيمة التي هي عليها اليوم أو بما يعادلها من الذهب والأوراق النقدية.
أشار محمد النويله المحلل اقتصادي في حديثه لـ لوسيل إلى ثلاثة أسباب رئيسية ساهمت في ارتفاع عملة البيتكوين، أول تلك الأسباب هو رؤية بعض المستثمرين والمضاربين في العملة المستقبل وبالتالي المراهنة على المستقل أحد أهم أسباب ارتفاع البيتكوين، أما ثاني سبب قد يكون غير ظاهر للناس وهو بدء استخدام البيتكوين لمؤسسات خارج منظومة المالية الأمريكية على غرار إيران وكوبا والصين وغيرها من المؤسسات سواء كانت شرعية أو غير شرعية في الدول الأوروبية ودول آسيا بالإضافة إلى وجود منظومات قد تكون شرعية وغير شرعية موجودة داخل النظام المالي أو خارجه تستخدم البيتكوين وبالتالي هناك حركة مالية كبيرة خفية تجري خلف بيتكوين، أما السبب الثالث هو انضمام تسلا لقائمة الشركات المعترفة بالبيتكوين وهنا قد نقول إنه أشعل الشرارة وستتلوها شركات أخرى وهذا سيصب في مصلحة البيتكوين وستتلوها شركات أخرى، وكانت ماستركارد أعلنت عزمها الاعتراف ببعض العملات الإلكترونية ووضعها على قائمة العملات المقبولة وأيضا هناك حديث عن منظومة باي بال وأمريكان إكسبريس كما ننتظر قرار أمازون في هذا الشأن وقد تفاجئنا بالاعتراف بها خلال الفترة المقبلة.
واستبعد أن تكون جائحة كورونا لها علاقة بالارتفاع، مضيفا: من يقول ذلك فتبريره أن الثقة في الاقتصاد العالمي بدأت تنحدر في ظل ضبابية المشهد العالمي، وهذا كلام غير منطقي، فهل هناك شخص يتجه من طريق ضبابي إلى طريق أكثر ضبابية، وعليه أستبعد أن تكون كورونا سببا في ارتفاع العملات الإلكترونية.
وعن مستقبل العملات قال: أصبحت الرؤية واضحة فالعملات الرقمية هي المستقبل وهي البديل للنظام المالي العالمي الجديد وعلى المؤسسات المالية والنقدية العالمية أن تأخذ ذلك في الحسبان وأن تبدأ في وضع قوانين وتشريعات تتوافق مع انتشار العملات الرقمية والإلكترونية حتى لا تكون هناك صدمة كبيرة في ظل الاتجاه الصاعد للعملات.. وإذا لم يتم أخذ سوق المال العالمي وإدارات المالية العالمية والدول ذات العملات القوية احتياطاتها تجاه هذه العملات بالذات ستكون العواقب وخيمة في ظل أن العملات الرقمية في طريقها للتربع على عرش العالم.
وقال إنه حاليا لا ينصح بالاستثمار في أي عملات لأن العملات هي للتداول وليست للاستثمار ومعظم الذين يقومون بالتداول هدفهم المضاربة وليس الاستثمار والمضاربة في العملات ليست مجالا آمنا بالنسبة للمبتدئين وحتى الذين يمتلكون خبرة في المجال المالي لا يستطيعون مواجهة ومواكبة الأسواق العالمية في تقلباتها كما أن التداول يحتاج خبرة في التحليل الفني بالإضافة إلى إلمام وإدراك بالسوق العالمي ودراية بالأوضاع الاقتصادية والسياسية العالمية مع رؤية شمولية للاقتصاد العالمي، مضيفا: والمضاربة في هذه الأسواق خطير جدا ولا أنصح بالاستثمار فيه.
وقال إن إرساء تشريعات هو أمر مستحيل والعملات الرقمية هي تداولات وتبادلات للأموال من خلال شبكة معقدة وهذه الشبكة لا يمكن وضع أي شروط عليها من خارج المؤسسين وهي حرة وصممت حتى لا توضع عليها أي قوانين، مضيفا: لكن من الممكن إيجاد تشريعات وتنظيمات من خلال وضع عملات من الدول تكون منافسة لها وبالتالي بدء نقل السوق من العملات الرقمية الحالي إلى سوق من العملات أكثر ثباتا ولها تشريعات وأنظمة وذلك صعب جدا.
حذر سركيس تشوبريان المحلل الأول للأسواق المالية في الكويتي من المخاطر المرتفعة جدا في التعاملات بالعملات الرقمية والإلكترونية مقابل أي عائد محتمل، مشددا في حديثه لـ لوسيل على أن الاستثمارات في الأصول الحقيقية أفضل والتي يمكن فيها التنبؤ بالمخاطرة وإدارتها.
وقال إن الفترة الأخيرة سجلت عمليات مضاربية وطلبا كبيرا على العملات الرقمية، ومن هنا يأتي التحذير دائما وأبدا من العملات الرقمية خاصة أنه لا يوجد لها أصل يقومها فمخاطرتها مرتفعة. وتابع قائلا: ولا ننسى انخفاض البيتكوين من متسويات 19 ألف دولار إلى تحت 10 آلاف دولار في السنوات الماضية. مشددا على أن عدم تقويم هذه العملات بأصل حقيقي يبقى عليها ذات مخاطر عالية وقد تصل المخاطر فيها إلى 100% خاصة في حالة إصدار قوانين عالمية تمنع التداول في العملات الرقمية لأي سبب من الأسباب.
كما أكد على أن الارتفاعات الحالية مدعمة مضاربيا وكما هو معروف المضاربة المرتفعة تحمل في طياتها مخاطر مرتفعة جدا ولهذا السبب العديد من الدول العربية حتى العالمية تدرس الموضوع نظرا لارتفاع المخاطر، في ظل غياب قوانين تحمي المستثمر والتحركات الاستثمارية، مشيرا إلى أن الاستثمارات المباشرة هي الأكثر أمانا، وتابع قائلا: النصح لأي مستثمر عربي هو الاستثمار في الأصول المقومة بأصل حقيقي مثل الأسهم الوطنية والأسهم العالمية على غرار الأسهم الأمريكية وتداول العقود مع الأخذ بعين الاعتبار بالمخاطر والتي تعد منخفضة قياسا بالمخاطر التي توجد في العملات الإلكترونية في مقابل، كما نقول دائما أن العوائد المرتفعة تحمل مخاطر عالية.