أخذ سوق التمويل والصيرفة الاسلامية والاقتصاد الاسلامي ككل في التنامي داخل السوق المحلي من يوم الى اخر، حيث اصبح يستحوذ على مساحة كبيرة في التعاملات المالية والاقتصادية داخل دولة قطر، والتي اعلن عدد من المسؤولين عن القطاع المالي والمصرفي فيها على وجود خارطة طريق لتطوير الصيرفة الاسلامية محليا، خاصة ان دولة قطر تستعد لاطلاق تحالف مالي في مجال الصيرفة الاسلامية يضم بالاضافة الى دولة قطر كلا من تركيا وماليزيا من خلال المراكز المالية، بما يساهم في خدمة شعوب الدول الثلاث والذين يقدر عددهم بنحو 115.12 مليون شخص، بالاضافة الى تقدم خدمات مالية ومصرفية تتواءم مع مبادئ واحكام الشريعة الاسلامية لما لا يقل عن 1.8 مليار مسلم حول العالم، ناهيك عن الاستحواذ على اكبر حصة من سوق الاقتصاد الاسلامي وعلى وجه الخصوص التمويل الاسلامي، حيث تقدر الاحصائيات اجمالي التمويل الاسلامي حول العالم بما يصل الى نحو يتجاوز سقف 3.2 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 13.5 تريليون ريال، بمعدل نمو مركب يصل إلى 9.4%، خاصة هذه الصناعة تعد واعدة مستقبلا وتحمل العديد من الفرص المتميزة.
الى ذلك، تكشف الاحصائيات المتعلقة بسوق التمويل الاسلامي على المستوى العالم انه خلال الفترة المتراوحة بين 2003 و2016، أي خلال 13 عاما، سجل هذا السوق مستويات نمو قياسية، حيث قفزت الأصول الإسلامية من نحو 200 مليار دولار أي ما يعادل 728 مليار ريال في العام 2003 إلى مستوى 2.2 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 8 تريليونات ريال في العام 2016، محققة نسبة نمو تساوي 1000%، وذلك بفعل عوامل متعددة من أهمها ارتفاع طلب المستثمرين التقليديين على الصيرفة المطابقة للشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى زيادة وتسهيل وصول المجتمعات الإسلامية إلى المنتجات المصرفية المطابقة للشريعة الإسلامية وبمعدل ربح متيسر.
ويرى الخبراء والمختصون في القطاع المالي والمصرفي ان قطاع التمويلات الاسلامية عاصرت خلال السنوات القليلة الماضية العديد من التحولات الجذرية والعميقة مكنتها من الظهور على الساحة المصرفية بقوة من خلال الاستحواذ على مستويات عالية من النمو، في ظل الإقبال المتزايد من قبل الأفراد وكبار المستثمرين إلى جانب الشركات، على هذا النوع من الخدمات المصرفية التي توفر قنوات تمويل واستثمار وإيداع متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة بعد أن أثبتت جدارتها في مواجهة التقلبات الاقتصادية التي عايشها العالم منذ الأزمة المالية في العام 2008، والتي عصفت بالعديد من البنوك التقليدية.
واعتبر الخبراء والمختصون الذين تحدثوا لـ لوسيل ان نجاح تجربة البنوك والمصارف الإسلامية في مواجهة التحديات عامل جذب لخبراء الهندسة المالية والمصرفية لاستكشاف هذا المجال الجديد من الصيرفة وذلك من خلال وضع خبرتهم العلمية والعملية بالتعاون مع علماء الشريعة الإسلامية من أجل تعزيز صناعة الصيرفة الإسلامية، سواء في الوطن العربي أو بعض دول شرق آسيا أو حتى بعض الدول الأوروبية والأمريكية.
كما اكدوا في حديثهم لـ لوسيل على الموقع الريادي الذي تتمتع به دولة قطر بمجال الصيرفة الاسلامية ونموها على الصعيد المحلي، واستحواذها على حصص كبيرة من التمويلات المالية وبنسبة مهمة، خاصة على مستوى القطاع البنكي، حيث تعمل 4 بنوك اسلامية كبرى وهي مصرف قطر الاسلامي المعروف اختصارا بالمصرف ومصرف الريان ثاني اكبر البنوك الاسلامية من حيث الاصول والارباح ويليهم بنك قطر الدولي الاسلامي ويليهم مجموعة بنك بروة الذي نجح العام الماضي في دمج بنك قطر الدولي، بالاضافة الى بنك قطر الاول البنك المتخصص في الاستثمارات على المستوى المحلي والعالمي من خلال ادارة الاصول والمحافظ الاستثمارية المتنوعة التي تشمل العديد من القطاعات المختلفة.
الى ذلك، فقد شددوا على البنية التشريعة التي تبنتها دولة قطر في مجال التمويل والصيرفة الاسلامية التي من شأنها ان تساهم في تطوير القطاع بشكل عام وبما يساهم في رفع حصته السوقية من اجمالي التمويل المحلي والذي تخطى بنهاية العام الماضي مستوى التريليون ريال قطري، مشيرين في ذات الاطار الى التحديات التي تواجه التمويل الاسلامي بل والاقتصاد العالمي بشكل عام، خاصة في مستوى بعض النظم المتغيرة والمعايير التشريعية والمحاسبية التي يتم اعتمادها بشكل دوري، بالاضافة الى التطورات التكنولوجية التي يشهدها العالم، وعلى وجه الخصوص القطاع المالي والمصرفي في الدولة وحتى على مستوى العالم، في ظل التحفظ الذي يميز جانبا من التمويلات الاسلامية.
تشير الاحصائيات الرسمية الى ان حجم سوق الصيرفة الاسلامية والخاصة بالجانب البنكي الاسلامي تستحوذ على ما تقدر نسبته بنحو 26.62% بنهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، حيث بلغ اجمالي الموجودات لدى البنوك الاسلامية والمصارف الاسلامية العاملة في الدولة نحو 415.7 مليار ريال بما يعادل نحو 114.20 مليار دولار امريكي وذلك بنهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، من اجمالي موجودات كافة البنوك القطرية والتي تقدر موجوداتها بنحو 1.561 تريليون ريال بما يعادل نحو 428.84 مليار دولار امريكي.
وقد توزعت تلك الموجودات للدى البنوك الاسلامية الى نحو 1.66 مليار ريال بما يعادل نحو 456.04 مليون دولار امريكي في شكل نقد بالريال القطري كاحتياطيات تضاف اليها ضمن هذا البند نحو 12.74 مليار ريال في شكل ارصدة لدى مصرف قطر المركزي بما يعادل نحو 3.5 مليار دولار امريكي، وهي موجودات اجمالية تدخل ضمن بند الاحتياطيات التي تمتلكها كافة البنوك الاسلامية والتي يقدر اجمالي احتياطيها بنهاية العام الماضي نحو 14.41 مليار ريال بما يعادل نحو 3.96 مليار دولار امريكي.
في حين توزعت بقية الموجودات على بندين اساسيين وهما الموجودات الاجنبية والموجودات المحلية. وفي بند الموجودات الاجنبية، فقد بلغ اجمالي النقد بالعملات المختلفة نحو 284.5 مليون ريال بما يعادل نحو 78.13 مليون دولار امريكي، تضاف اليها الارصدة لدى البنوك في الخارج والتي تقدر بنحو 3 مليارات ريال بما يعادل نحو 824.1 مليون دولار، يضاف اليها الائتمان خارج دولة قطر بنحو 16.08 مليار ريال بما يعادل نحو 4.41 مليار دولار . وبلغ اجمالي الاستثمارات الخاصة بالبنوك الاسلامية في خارج دولة قطر بنهاية شهر ديسمبر من العام الماضي نحو 5.17 مليار ريال بما يعادل نحو 1.42 مليار دولار امريكي، اما الموجودات الاجنبية الاخرى، فقد بلغت نحو 121.9 مليون ريال بما يعادل نحو 33.48 مليون دولار امريكي، وبذلك يبلغ اجمالي موجودات الاجنبية للبنوك الاسلامية نحو 24.6 مليار ريال بنهاية شهر ديسمبر من العام الماضي بما يعادل نحو 6.77 مليار دولار امريكي.
اما على مستوى البند الثاني المتعلق باجمالي الموجودات المحلية، فان اجمالي الارصدة لدى البنوك في قطر فيقدر بنحو 19.38 مليار ريال بما يعادل نحو 5.32 مليار دولار امريكي، في حين يقدر اجمالي الائتمان المحلي بنحو 272.5 مليار ريال بما يعادل نحو 74.86 مليار دولار امريكي، في حين بلغ بند الاستثمارات المحلية ضمن مجموعة الموجودات المحلية نحو 76.01 مليار ريال، وهو بما يعادل نحو 20.88 مليار دولار امريكي، كما بلغت الموجودات الثابتة للبنوك الاسلامية نحو 1.13 مليار ريال وهو ما يعادل نحو 310.4 مليون دولار امريكي، في حين بلغ اجمالي الموجودات الاخرى نحو 7.54 مليار ريال وهو ما يعادل نحو 2.07 مليار دولار امريكي. وبذلك يبلغ اجمالي الموجودات المحلية نحو 391.1 مليار ريال بما يعادل نحو 107.4 مليار دولار امريكي.
وبالنسبة لمستوى الايداع لدى البنوك الاسلامية والمصارف الاسلامية العاملة في دولة قطر، فان اجمالي الودائع لدى هذه البنوك يبلغ نحو 244.8 مليار ريال بنهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، بما يعادل نحو 67.25 مليار دولار امريكي، وتوزعت الى نحو 139.4 مليار ريال في شكل ودائع للقطاع الخاص، بما يعادل نحو 38.29 مليار دولار امريكي، وتضمنت نحو 30.7 مليار ريال بما يعادل نحو 8.43 مليار دولار امريكي في شكل ودائع تحت الطلب بالريال القطري، ونحو 94.4 مليار ريال بما يعادل نحو 25.93 مليار دولار امريكي في شكل ودائع توفير ولاجل بالريال القطري. اما بالنسبة للودائع بالعملات الاجنبية، فتضمنت ما يعادل نحو 2.5 مليار ريال في شكل ودائع تحت الطلب في حين بتقدر بالدولار الامريكي بنحو 0.686 مليار دولار امريكي، اما ودائع توفير ولاجل تقدر بالريال القطري بنحو 11.6 مليار ريال وهو ما يعادل بالدولار الامريكي نحو 3.18 مليار دولار امريكي. في المقابل فقد بلغت قيمة ودائع القطاع العام نحو 77.4 مليار ريال بما يعادل نحو 21.26 مليار دولار امريكي، موزعة الى نحو 4.8 مليار ريال في شكل ودائع تحت الطلب بما يعادل 1.31 مليار دولار امريكي، اما ودائع توفير ولاجل فقد بلغت نحو 52.8 مليار ريال بما يعادل نحو 14.50 مليار دولار امريكي. اما بالعملات الاجنبية فقد بلغت الودائع تحت الطلب نحو 2.2 مليار ريال بما يعادل نحو 0.604 مليار دولار امريكي، اما الودائع توفير ولاجل فقد بلغت نحو 17.5 مليار ريال بما يعادل نحو 4.80 مليار دولار امريكي. وتقدر الودائع غير المقيمة بنحو 27.9 مليار ريال بما يعادل نحو 7.66 مليار دولار امريكي.
وبلغ اجمالي التمويل والائتمان بنهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، نحو 288.6 مليار ريال بما يعادل 79.2 مليار دولار امريكي، توزعت الى نحو 72.7 مليار ريال في شكل تمويلات ممنوحة للقطاع العام بما يعادل نحو 19.97 مليار دولار امريكي، وحازت التجارة العامة على نحو 26.1 مليار ريال بما يعادل نحو 7.17 مليار دولار امريكي، في حين تحصلت الصناعة على تمويلات من البنوك الاسلامية تقدر بنحو 6.2 مليار ريال بما يعادل نحو 1.7 مليار دولار امريكي، وتحصل المقاولون على تمويلات من البنوك الاسلامية العاملة في الدولة على نحو 10.6 مليار ريال بما يعادل نحو 2.91 مليار دولار امريكي، اما العقارات فاستحوذت على نحو 53.8 مليار ريال بما يعادل نحو 14.78 مليار دولار امريكي، وتحصل القطاع الاستهلاكي على نحو 66.7 مليار ريال بما يعادل نحو 18.32 مليار دولار امريكي، اما قطاع الخدمات فبلغ جحم التمويلات المقدمة له نحو 29 مليار ريال بما يعادل نحو 7.96 مليار دولار امريكي، وتحصلت بقية القطاعات الاخرى على تمويلات تقدر بنحو 7.18 مليار ريال بما يعادل نحو 1.97 مليار دولار امريكي. وبلغ بذلك اجمالي التمويل المحلي للبنوك الاسلامية نحو 272.5 مليار ريال بما يعادل نحو 74.86 مليار دولار امريكي. في المقابل يقدر التمويل الممنوح خارج قطر من قبل تلك البنوك بنحو 16.08 مليار ريال بما يعادل نحو 4.41 مليار دولار امريكي.
كشفت مصادر مصرفية مطلعة لـ لوسيل ان الهيئات الرقابية على القطاع المالي والمصرفي تعمل على استكمال خارطة الطريقة التي تم وضعها من اجل تطوير الصيرفة الاسلامية في الدولة وتعزيز مساهمتها في السوق المالي والمصرفي داخل الدولة مع دعم البنوك الاسلامية في مسيرتها للتوسع اقليميا وعالميا، بالاضافة الى تنفيذ مجموعة من الاجراءات المتعلقة بتوحيد المفاهيم والتعليمات والتوصيات والهيئات الرقابية الشرعية بما يعزز العمل المصرفي الاسلامي، ويدعم المكاسب التي حققها خلال السنوات الماضية، خاصة ان دولة قطر تواصل خطها نحو التحول الى مركز مالي ومصرفي اقليمي متميز في المنطقة، حيث تم وضع كافة الاطر التنظيمية والرقابية التي من شأنها ان تساهم في تحقيق تلك الاهداف التي تم وضعها في هذا الاطار. كما اشارت ذات المصادر الى انه من المنتظر ان يتم خلال الفترة المقبلة عقد مجموعة من اللقاءات مع قيادات تلك البنوك الاسلامية من اجل العمل على تطوير قطاع الصيرفة الاسلامية في السوق المحلية اجمالا.
من المنتظر ان تستضيف دولة قطر نهاية الشهر الجاري المؤتمر الدولي السادس للمال الاسلامي تحت شعار التمويل الاسلامي في عالم متحول، والذي ستنظمه بيت المشورة للاستشارات المالية بشراكة استراتيجية مع مجموعة بنك بروة، والمزمع عقده بتاريخ 25 فبراير الجاري. وسيستضيف هذا المؤتمر الذي تستمر أعماله على مدار يوم واحد العديد من الجهات البحثية والاشرافية والمؤسسات المصرفية الاسلامية من بنوك اسلامية ومصارف الى جانب شركات تمويل تتعامل وفقا لمبادئ واحكام الشريعة الاسلامية بالاضافة الى العديد من الخبراء والمختصين في مجالات الصيرفة والتمويل الاسلامي من داخل دولة قطر وحتى من خارجها بالاضافة الى جمع من الاكاديميين.
نوه خبراء ومختصون ماليون ومصرفيون في حديثهم لـ لوسيل الى ما وفرته الجهة الرقابية من حوافز ساهمت في تسهيل المعاملات المالية الاسلامية من خلال مجموعة من اجراءات تسهيل المعاملات المالية الإسلامية، مما يزيد من تحسين بيئة التشغيل في السوق المالي والمصرفي اجمالا. وفي هذا الاطار يقول رجل الاعمال والمستثمر في البورصة يوسف ابوحليقة إن الصيرفة الإسلامية واجهت تحديات مختلفة منذ نشأتها، حيث كان التحدي الأول متمثلا أساسا في الاعتراف بها كجزء من النظم المصرفية، قبل أن يواجهها التحدي الثاني المتمثل في تحقيق مستويات نمو وتطور، مشددا على أن أبرز التحديات التي تواجه الصيرفة الإسلامية في الوقت المعاصر هي تلك التحديات التي تتعلق أساسا بالبنية التشريعية والقانونية المنظمة لعملها إضافة إلى الأنظمة المحاسبية التي تخضع لها إلى جانب بعض الإجراءات الرقابية التي لا تراعي خصوصياتها. أما على مستوى التحديات المحاسبية والرقابية، فقد حصرها في ضمان الحسابات الاستثمارية والتفتيش والرقابة وإعداد البيانات المالية واقتطاع احتياطيات بقدر زائد على الحاجة.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي عبدالله الخاطر انه من بين التحديات التي تواجه الصيرفة الإسلامية هو القدرة على التمويل بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، والتي تحدد جملة من الأدوات التمويلية والتي تقوم أساسا على المشاركات ومنها صيغة المشاركة وصيغة المضاربة وصيغة المزارعة والمساقاة إلى جانب أدوات أخرى قائمة على البيوع كالمرابحة والسَّلَم وأخرى كالصكوك الإسلامية، وقال انه لتطوير الصناعة المصرفية الإسلامية والتغلب على تحديات التمويل وضعت الهندسة المالية العديد من الآليات لتخطي تلك التحديات.
ويقول في هذا الإطار إن المالية الإسلامية نجحت بعد الأزمة المالية العالمية في تجاوز الآثار التي ترتبت على الأزمة، حيث كانت البنوك الإسلامية تسعى منذ نشأتها إلى الاستثمار الحقيقي بعيدا عن الاقتراض، منوها إلى أن البنوك الإسلامية تقدم معدلات صفرية على الفائدة، مشيرا في حديثه إلى أن البنوك الإسلامية تمكنت في فترة وجيزة من تجاوز تحديات التمويل من خلال إيجاد أوعية تمويلية، تقوم على المعاملات الإسلامية. ودعا في ذات الإطار أن تواكب الأدوات التمويلية التطور التقني الحاصل على مستوى الصيرفة الإسلامية.