باتت صناعة الأدوية والمستحضرات الصيدلانية تشكل أحد القطاعات الصناعية التحويلية المهمة، بالإضافة إلى كونها دعامة أساسية في تكوين البعد الاقتصادي الاستراتيجي للدولة، لمساهمتها الفعالة في تأمين صحة المواطن والمقيم، فضلاً عن أهميتها الاقتصادية، وارتباطها الوثيق بالقطاع الصحي.
وتعتمد دولة قطر بصفة كبيرة في تغطية احتياجاتها من الدواء على الاستيراد من دول مجلس التعاون مثل السعودية والامارات بشكل أساسي، وبعض الدول العربية كالأردن ومصر، بالإضافة إلى مصادر أوروبية وأمريكية وآسيوية، وسط ضعف ملحوظ في حجم الاستثمارات الوطنية بقطاع الصناعات الدوائية.
دولة قطر استوردت خلال العامين الماضيين ما قيمته 3.3 مليار ريال من المنتجات الطبية والمستحضرات الصيدلية، بحسب تقارير التجارة الخارجية الصادرة عن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء.
وبلغت قيمة فاتورة واردات دولة قطر من المنتجات الطبية والصيدلية خلال العام الماضي نحو 1.9 مليار ريال، بزيادة قدرها 500 مليون ريال عن واردات العام قبل الماضي البالغة نحو 1.4 مليار ريال، وفقاً للأرقام التي جمعتها لوسيل .
وتولي الدولة ممثلة في وزارة الصحة ضمن استراتيجيتها الصحية اهتماما خاصا لقطاع البحوث والصناعات الدوائية والرعاية الصحية، رغم التحديات التي تواجه ذلك القطاع، في ظل انخفاض أسعار النفط، وعزوف رجال الأعمال عن الاستثمار فيه، لأسباب عدة، أبرزها صغر وضيق حجم السوق المحلي.
عبد الله الخاطر، الخبير الاقتصادي، يقول لـ لوسيل ، إن هناك معوقات عدة تواجه الاستثمار في قطاع الصناعة الدوائية، على الرغم من حرص الدولة على مساهمة القطاع الخاص في تعزيز الاستثمار في سوق الدواء المحلي، تماشياً مع رؤيتها الوطنية التي تضع صحة المواطن والمقيم على قائمة اهتماماتها.
ارتفاع كلفة دراسات الجدوى، وضخامة رأس المال، وعدم توافر الخبرات الفنية، أو الرؤية الواضحة، هي أبرز تلك المعوقات التي يراها الخاطر سبباً رئيسيا في استمرار عزوف المستثمرين عن دخول هذا المجال.
يطالب الخاطر، بضرورة تحرك الدولة وسعيها ممثلة في الحكومة ووزارة الصحة إلى إبرام شراكات مع القطاع الخاص في هذا القطاع لتشجيع الأخير وإكسابه الخبرات اللازمة ومنحه التسهيلات التي لن يستطيع الحصول عليها بمفرده مثل الأراضي والتراخيص وغيرها.
ويرى أن إنجاز المناطق الاقتصادية الخاصة سيعزز من حجم الاستثمارات في هذه المجال نظرا لما ستوفره من بيئة استثمارية جاذبة ومجهزة ببنية تحتية تخدم المشروعات المستقبلية.
سوق واعد يوفر الريادة
يقدر المهندس مراد الملاح، المدير التنفيذي لشركة المها الطبية، قيمة سوق تجارة الأدوية القطري العام الماضي بنحو 600 مليون دولار، وتغطي الصناعة الدوائية المحلية ما نسبته 5 % من الاحتياج المحلي.
يرى الملاح، أن سوق الأدوية في قطر واعد وهام، لأن الأمن الدوائي متطلب مهم جدا خاصة في ظل المتغيرات الكثيرة التي تمر بها المنطقة، والإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها دولة قطر والتي تسمح لها أن تكون رائدة في هذا المجال.
ويبرر ضعف الاستثمارات الموجهة لقطاع الصناعات الدوائية في قطر، بعدة أسباب في مقدمتها ضبابية التصور وعدم وجود قناعة لدى الجهات الفاعلة بضرورة الاتفاق على تصور واحد بهذا الشأن خاصة أن العديد من الجهات الرسمية لا ترى جدوى للتصنيع الدوائي.
يقول الملاح: هذا جزء من وضع عام يغلب عليه عدم وضوح موقف بعض الجهات الرسمية من جدوى وجود تصنيع بعض الادوية الاساسية التي تمس مباشرة الصحة العامة، خاصة أن القطاع الخاص يحتاج لتطمينات ودعم من القطاع الحكومي لكون هذا الأخير يمثل أكثر من ٦٥ % من حجم السوق .
ويضيف: بتعبير آخر فإن أي استثمار في قطاع الصناعات الدوائية في قطر ما لم يأخذ حصته من المشتريات الحكومية مآله الفشل والخسارة .
ويستطرد: فلسفة التصنيع لا تقوم على السوق المحلي فقط بل تتطلع للسوق الخليجي والعربي والافريقي، وهذا الأمر يواجه بتحد آخر يتمثل بأنه لا يمكن قانونيا الشروع في التصدير دون إثبات استهلاك الدواء المصنع في قطر لمدة سنة على الاقل قبل تصديره خارج قطر لذا تصطدم الصناعات القطرية المحلية دائما بأزمة ثقة في السوق المحلي .
الملاح، يرجع ضعف الاستثمارات الدوائية إلى حاجة هذا النوع من الصناعات إلى نفس طويل من جانب المستثمر، خاصة أن العائد على الاستثمار يتطلب على الاقل مدة 6 سنوات، ما يصطدم بما يسمى في عالم ريادة الأعمال بـ الفكر المالي البحت ، وهو العائق الأول لقيام هذه الصناعات التي تتطلب الفكر الاستثماري الذي يقدم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني وتلبية الاحتياج الاستراتيجي على الربحية.
بيد أن مراد يرى أنه على الرغم من تلك العقبات إلا أن هناك تحولا نحو هذه الصناعات التي بدأت تأخذ حيزاً من اهتمام رجال الأعمال خاصة بعد جملة من التسهيلات والضمانات التي باتت تقدمها الجهات المعنية ضمن استراتيجية قطر لتنويع مصادر الدخل الاقتصادي، فضلا عن تراجع وانكماش بعض الأسواق خاصة العقارية.
وعن قرار توحيد أسعار استيراد الأدوية على واقع سوق الدواء القطري، قال الملاح إنه جيد من نواح كثيرة، أبرزها كإنفاق عام لوزارة الصحة سيساهم هذا الأمر في تخفيض النفقات فضلا عن خدمته لشركات التأمين.
وأضاف: القرار جيد من ناحية تذليله للفارق الموجود بين تجارة الادوية وتصنيع الادوية ما سيعيد الامور الى وضعها الصحي حيث لا يعقل ان يكون العائد في استيراد الادوية وهي عملية تجارية بحتة اكبر بأضعاف من عائدات مصنعي الادوية على ما يقدمونه من اضافة جليلة في الاقتصاد واهمية استراتيجية بتأمين الاحتياجات الدوائية .
وأشار إلى أن هذا القرار قد يكون مضراً بربحية شركات الأدوية خاصة أن نتائجه بدأت تظهر من خلال تحول العديد الآن ولو جزئيا الى التركيز على قطاع الادوية البيطرية، الذي يعد سوقا هاما لم تطله عملية التوحيد هذا من جهة ومن جهة ثانية طبيعة الثروة الحيوانية الموجودة خاصة تلك المتعلقة بالسباقات والمزاين وغيرها ما يجعل الإنفاق في الادوية البيطرية يبلغ مستويات قياسية.
الرقابة سلاح ذو حدين
المهندس سامر شمسي باشا، المدير العام لشركة شرق للتجهيزات الطبية، يقول لـ لوسيل إن واقع سوق الأدوية في دولة قطر يشير إلى عدم توافر كافة الأصناف من الأدوية المتداولة في العديد من دول المنطقة والعالم، نتيجة وجود رقابة صارمة من جانب الجهات المعنية التي تتشدد في منح التراخيص لبعض الأدوية التي قد تثار الشكوك حول جدواها.
يضيف شمسي : لهذا الأمر شقان أحدهما إيجابي كونه يمثل انعكاساً لرغبة الدولة في الحفاظ على صحة وسلامة المواطن والمقيم، بالإضافة إلى شق سلبي يتمثل في منع دخول أدوية كثيرة إلى السوق القطري وبالتالي رفع أسعارها .
وعن تقييمه لفرص الاستثمار في قطاع الصناعات الدوائية يوضح شمسي ، أن هناك عدة تحديات تواجه المستثمر الراغب في خوض هذا المجال أبرزها صغر حجم السوق القطري الذي يجعل من نجاح المشروع أمراً مرتبطاً بشكل وثيق بترويج المنتجات في أسواق الخارج أو دول المنطقة على الأقل.
ويشير إلى أن انعدام تواجد الخبرات الفنية المؤهلة في السوق المحلي، تجعل هذا النوع من الاستثمار غير مجدي اقتصادياً خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الأيدي العاملة وإيجارات الأراضي وغيرها من الأمور التي ترتبط بالجدوى الاقتصادية للمشروع.
خفض أسعار 2873 مستحضرا دوائيا خلال 19 شهراً
بدأت وزارة الصحة العامة تنفيذ المرحلة الأولى من قرار توحيد أسعار استيراد الأدوية، بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في شهر سبتمبر من عام 2014، بتخفيض أسعار القائمة الأولى، التي ضمت 1285 مستحضراً دوائياً في جميع صيدليات القطاع الخاص، وبلغت نسبة الانخفاض في أسعار بيعها للجمهور ما بين 0.45% و79.28% عن أسعارها السابقة.
ونفذت الوزارة المرحلة الثانية في شهر نوفمبر من عام 2015 بتخفيض أسعار أدوية القائمة الثانية والتي ضمت 1264 مستحضرا دوائيا، انخفضت أسعارها بنسبة تراوحت ما بين 5.24% و77.34%، قبل أن تنفذ منتصف أبريل الماضي المرحلة الثالثة، التي شملت تخفيض 400 مستحضر دوائي بنسبة تتراوح بين 0.24% و82.93% منها 76 مستحضرا يتم تخفيض أسعارها للمرة الثانية.
وارتفع العدد الكلي للأدوية التي تم تسعيرها حتى الآن إلى 2873 مستحضراً دوائياً تشكل 62.5% من مجموع الأدوية المسجلة بالدولة والبالغ عددها نحو 4600 مستحضر.
ويرى صيادلة ومواطنون أن تطبيق ذلك القرار أدى إلى خلق حالة من الاستقرار النسبي في أسعار الأدوية المتداولة في السوق القطري، مقارنة بالفترة التي سبقت تفعيله.
محمد إسلام مصطفى، صيدلي، يقول لـ لوسيل : إن قرار توحيد أسعار استيراد الأدوية ساهم في استقرار أسعار أكثر من ثلثي الأصناف المتداولة في السوق القطري.
ويضيف أن بعض أصناف الأدوية لا تزال أسعارها مرتفعة مقارنة بنظيرتها في دول أخرى، خاصة بعض أدوية السكري، والأمراض العصبية، فضلا عن الحقن الخاصة بأمراض خشونة وآلام المفاصل، والتي توقع أن تنخفض حال شمولها في المراحل المتبقية من قرار توحيد الأسعار.
ويوضح أنه لا توجد مشكلة في أسعار الأدوية المغطاة ضمن شبكة التأمين الصحي، مقارنة بالأخرى غير المشمولة مثل العقاقير سريعة الاستهلاك كالمضادات الحيوية والمسكنات التي يكون سعر بعضها مرتفعا للغاية، على حد وصفه.
الصيدلي مصطفى يرى أنه لو أتيحت الفرصة لبعض الشركات لإقامة خطوط إنتاج في دولة قطر ستكون هناك تنمية لصناعة الدواء على المستويين المحلي والإقليمي على حد سواء، نظراً لكون الظروف الحالية مشجعة، حسب تعبيره.
لورنس كاجونت، صيدلي بأحد فروع واحدة من كبرى سلاسل الصيدليات العاملة في السوق القطري، يقول إن ظاهرة ارتفاع أسعار الأدوية مقارنة بنظيراتها في أسواق الدول المجاورة لم تعد ملحوظة بشكل كبير.
ويضيف كاجونت، الذي يتوقع تراجع أسعار الدواء خلال الفترة المقبلة، أن هناك انخفاضا ملموساً في شكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار الدواء منذ نهاية العام الماضي.
ويعاني سوق الدواء في الآونة الأخيرة من نقص في عدة أصناف، أبرزها أدوية منع الحمل، بحسب الصيدلي إيهاب جمال، الذي يؤكد استقرار أسعار الكثير من الأصناف منذ بداية العام الحالي.
المواطن عبد الرحمن خالد يقول لـ لوسيل : إن الهدف الأساسي من توحيد سعر استيراد الأدوية هو توفير أدوية ذات جودة عالية وبأسعار مقبولة بما يصب في مصلحة المريض.
ويضيف خالد أنه على الرغم من استقرار أسعار الدواء إلا أن هناك تفاوتا في الأسعار بين الصيدليات، لذا لابد من ضرورة تشديد الرقابة من قبل الجهات المعنية بوزارة الصحة العامة لضبط أسعار الأدوية في مختلف الصيدليات الخاصة.
ويأتي تطبيق الأسعار الجديدة على الأدوية في دولة قطر بناء على قرار المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لسنة 2006 بشأن توحيد سعر استيراد الأدوية بين دول المجلس بعملة واحدة (الدولار) وتفعيلا للقرار رقم 7 لمؤتمر مجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون رقم 74 لسنة 2013 والذي نص على البدء في تطبيق توحيد سعر استيراد الأدوية بين دول المجلس.
22.8 % نصيب 4 دول خليجية.. وقطر تكتفي بـ 7.1 %
في عام 2011 قدرت إدارة الدراسات السياسات الصناعية في منظمة الخليج للاستشارات الصناعية جويك ، سوق العقاقير الدوائية في دول مجلس التعاون الخليجي واليمن بنحو 6 مليارات دولار، وتوقعت أن ينمو هذا القطاع بنسبة 6 % سنوياً، ليصل إلى قرابة 10 مليارات دولار بحلول عام 2020.
ووفقا لقاعدة بيانات المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون، فإن عدد الشركات المسجلة مركزياً بلغ حتى الخامس والعشرين من مايو لعام 2015، نحو 269 شركة، بالإضافة إلى 56 شركة كانت لا تزال في مرحلة تحت الزيارة من قبل لجنة تسجيل الأدوية.
وبالنسبة للمستحضرات المسجلة مركزياً حتى نفس الفترة من العام الماضي بلغت أعدادها نحو 1473 مستحضراً، فضلا عن 748 مستحضراً تحت التسجيل.
قائمة الأدوية الصيدلانية المسجلة في قطر تضم 4581 صنفاً، وفقاً لآخر تحديث معلن من جانب وزارة الصحة العامة في الخامس من يناير الماضي.
واستحوذت دول القارة الآوروبية على النصيب الأكبر من تلك الأدوية، بإجمالي 1,996 صنف، ونسبة بلغت نحو 43.6 %، من إجمالي الأدوية المسجلة.
واحتلت ألمانيا الصدارة بنحو 455 دواء، تلتها فرنسا بـ 266 صنفا، وإيطاليا 213 صنفا، وسويسرا 192 صنفا، والمملكة المتحدة 145 صنفا، وبلجيكا 140 صنفا، وأسبانيا 123 صنفا، وأيرلندا 87 صنفا، والسويد 65 صنفا، والدانمارك 62 دواء، وهولندا 51 مستحضرا، وبولندا 21 صنفا، وفنلندا 19 صنفا، واليونان 12 صنفا، والنرويج 4 أصناف، وجمهورية التشيك صنف واحد.
وبلغ نصيب 4 دول بمجلس التعاون الخليجي من الأدوية المتداولة في السوق القطري نحو 1,043 صنف شكلت ما نسبته 22.8 % وتصدرت المملكة العربية السعودية قائمة الدول الأربع بنحو 489 صنفا، تلتها الإمارات العربية المتحدة بـ 393 صنفا، ثم سلطنة عمان بـ 83 صنفا، والكويت التي تذيلت القائمة بـ 78 نوعا.
وتضمنت قائمة الدول المصدرة للأدوية إلى قطر 3 دول عربية أخرى هي المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية ولبنان، والتي استحوذت ثلاثتها على 744 صنفاً شكلت نسبة 16.2 %، وتصدرت الأردن بـ 459 صنفا، ثم مصر بـ 246 صنفا، ولبنان 39 صنفا.
وجاء نصيب قارة أمريكا الشمالية ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية التي حازت على 189 صنفا، وكندا 62 صنفا، فيما استحوذت قارة أستراليا على 64 صنف دواء، بالإضافة إلى 16 صنفا من تركيا.
وفيما يتعلق بالدول الآسيوية الذي بلغ إجمالي منتجاتها 102 صنف، كانت الهند على رأس قائمة تلك الدول بـ 47 صنفا، تلتها اليابان بـ 26 صنفا، ثم الصين 17 صنفاً، وسنغافورة 12 صنفا.
إلى جانب الأرقام السابقة تضمنت قائمة الأدوية المسجلة في دولة قطر، العديد من الأصناف التي تشاركت في إنتاجها أكثر من دولة أوروبية وأمريكية وآسيوية بلغت أكثر من 130 صنفا.
وبلغ نصيب صناعات الدواء المحلية من القائمة نحو 326 صنفا (7.1 %) جميعها من إنتاج شركة قطر فارما التي تعد أول شركة تختص بالتصنيع الدوائي.
وتضم الدولة 3 كيانات متخصصة في الصناعات الدوائية هي قطر فارما للمحاليل والأدوية، وقطر جيرماني للمستلزمات الطبية، وقطر لايف للأدوية.