يحتفل لبنان غداً الجمعة بالذكرى السادسة والسبعين للاستقلال الذي يطل هذا العام في الوقت الذي تتصدر فيه المظاهرات المشهد السياسي وسط أزمة حكومية جراء عدم التوافق بين القوى السياسية فيما بينها من جهة وبينها وبين الحراك الشعبي من جهة أخرى على شكل الحكومة المرتقبة التي يقع على كاهلها حل الأزمة الاقتصادية في البلاد ومكافحة الفساد إلى جانب تنفيذ مطالب معيشية وحياتية.
ستة وسبعون عاماً مرت على لبنان تخللتها صفحات بيضاء وانجازات عنوانها الأمن والاستقرار، وصفحات سوداء عنوانها الخوف والقلق على المصير، وبين هذه وتلك صفحات غلب عليها اللون الأحمر القاني، سطرتها دماء جراء سلسلة من الأحداث الدموية والفوضى الأمنية التي استهدفت قادة سياسيين وطالت أبرياء إضافة إلى اعتداءات إسرائيلية ونزاعات داخلية مسلحة بين أطراف لبنانية نتج عنها سقوط قتلى وجرحى.
يأتي عيد الاستقلال هذا العام في ظل تواصل المظاهرات في لبنان منذ 17 أكتوبر الماضي، حيث يطالب المتظاهرون بحكومة جديدة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، إلى جانب مكافحة الفساد ومطالب معيشية وحياتية، في حين يترقب المشهد السياسي دعوة الرئيس اللبناني العماد ميشال عون إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة اللبنانية بعد إعلان استقالة حكومة السيد سعد الحريري في 29 أكتوبر الماضي، وذلك تحت ضغط الحراك الشعبي في لبنان.
وجاءت الاحتجاجات تلبية لدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت عقب إعلان الحكومة، تضمين موازنة العام القادم ضرائب جديدة ، تطال قطاع الاتصالات المجانية عبر الهاتف الخلوي الواتساب وغيره، بهدف توفير إيرادات جديدة لخزينة الدولة.
يطل عيد الاستقلال هذا العام مع بادرة أمل للبنانيين بتحقيق تغيير وإصلاحات في بلدهم بعد انتفاضة شعبية انطلقت منذ أكثر من شهر في بيروت ومختلف المناطق اللبنانية، ووسط مطالبة بإرساء دولة مدنية بعيداً عن منطق المحاصصة الطائفية السائدة في البلاد . يطل وسط آمال أن تنتهي الأزمة السياسية وتشكيل حكومة جديدة بعد بروز عثرات في مسار تشكيلها جراء الخلاف حول شكل الحكومة وسط رفض المتظاهرين تمثيل القوى السياسية في الحكومة وتشكيل حكومة مقابل إصرار بعض من أهل السلطة وفي طليعتهم الرئيس اللبناني العماد ميشال عون أن تتمثل القوى السياسية إلى جانب الحراك أي حكومة تكنوسياسية .
وفي هذا السياق أكد الرئيس اللبناني العماد ميشال عون، في تصريح له أنه يواصل جهوده واتصالاته لتشكيل حكومة جديدة يتوافر لها الغطاء السياسي اللازم وتضم ممثلين عن مختلف المكونات السياسية في البلاد ووزراء تكنوقراط من ذوي الاختصاص والكفاءة والسمعة الطيبة، إضافة إلى ممثلين عن الحراك الشعبي .
كما يهل عيد الاستقلال في وقت يعاني فيه الاقتصاد اللبناني من وضع حرج ووسط تخفيض التصنيف الائتماني للدولة حيث أصدرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني شهر اغسطس الماضي تقريرا دوريا، قررت فيه خفض تصنيف الدولة اللبنانية مرتبة واحدة من B- إلى CCC.
في المقابل، أصدرت وكالة ستاندرد اند بورز للتصنيف الائتماني تقريرها الدوري في الشهر نفسه، وقررت الإبقاء على تصنيف الدولة اللبنانية على ما هو (B- مع نظرة سلبية) .
ويعاني لبنان من أحد أكبر معدلات الدين العام في العالم ويعادل نحو 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي ، في حين يتجاوز دين الدولة 85 مليار دولار ، كما تراجعت نسبة النمو إلى صفر بالمائة لهذا العام وفقاً لما أعلنه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الشهر الجاري.
ويعاني لبنان حالياً من شح في الدولار الذي يستورد به معظم احتياجاته من الخارج ، وقد وصل صرف الدولار الواحد إلى 1800 ليرة لبنانية في الأسواق بعد ثباته لسنوات على
1500 ليرة . كما أدى شح الدولار لدى المصارف وإجراءاتها بتحديد سقف للسحوبات سواء من الدولار أو الليرة إلى حالة ذعر لدى المودعين وذلك رغم تأكيد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على الحفاظ على الاستقرار بالليرة( العملة المحلية) إلى جانب حماية المودعين والودائع في لبنان.
وأعلن سلامة أن الاحتياطي الموجود لدى مصرف لبنان من دون حساب الذهب يقارب الـ 38 مليار دولار بما فيه اليوروبوند واستثمارات المصرف المركزي .
ومما يثقل كاهل الاقتصاد اللبناني تزايد أعداد النازحين السوريين الذين قارب عددهم مليون ونصف نازح في ظل صعوبة تأمين احتياجاتهم من قبل الحكومة اللبنانية والجهات الدولية المانحة في البلد الذي يتجاوز معدل البطالة فيه 35 بالمائة بين جيل الشباب .
وفي هذا السياق كشف الرئيس اللبناني أن النازحين السوريين يلقون بعبء اقتصادي يوازي 3 مليارات دولار في السنة، لافتاً إلى تراكم ديون لبنان جراء هذه الأزمة 27 مليار دولار إضافية.
ويؤكد مراقبون أن الواقع الاقتصادي والمعيشي الذي وصل إليه لبنان غير مسبوق في تاريخه، حيث لم يشهد إقفالاً للمصارف بهذا الشكل كما حصل منذ بدء الاحتجاجات ، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الغذائية والمواد الاستهلاكية وسط مخاوف من أزمة الوقود الذي يتم استيراده بالدولار خاصة في ظل عدم كفاية الدولار وارتفاع أسعاره في الأسواق اللبنانية، إلى جانب الخطر على تأثير عمل المستشفيات والنقص في الأدوية .
وأكد مصدر طبي ، لمراسلة وكالة الأنباء القطرية / قنا/ في بيروت ، أن القطاع الصحي يعاني أزمة كبيرة في ظل النقص في المواد الطبية مثل المعدات المستعملة في العمليات وفلاتر غسيل الكلى، وأدوية علاج السرطان، وأدوية التخدير، والمضادات الحيوية لافتا إلى أن كل هذه المواد مستوردة والأثمان مرتفعة السعر .
وأشار إلى أن المستشفيات ( كذلك الأطباء) لم تتقاض بدل أتعابهم منذ أكثر من سنتين .. لافتا إلى تفاقم ديون المستشفيات للموردين، حتى أن مستودعات المستوردين فرغت، خاصة بعد أزمة الدولار.
ويطل عيد الاستقلال بالتزامن مع قلق أمني حول مصير لبنان ومخاوف أن تؤدي المظاهرات إلى فوضى في البلاد خاصة في ظل بعض ما شهدته من صدامات بين المتظاهرين وعناصر حزبية نتيجة قطع الطرقات أو استنفار عناصر حزبية .. وما يزيد من وتيرة المخاوف الأمنية احتمال التصادم بين القوى الأمنية والمتظاهرين رغم تأكيد الجيش في بياناته المتكررة أنه مع حماية المتظاهرين ولكنه بالمقابل سيحمي حرية التنقل وبالتالي سيفتح الطرقات التي سيغلقها المحتجون مما يثير مخاوف من مواجهات قد تحصل بين القوى الأمنية والمتظاهرين إلى جانب مخاطر من وجود عناصر مدسوسة في المظاهرات تعمل على الاعتداء على القوى الأمنية بهدف القيام بأعمال شغب .
ومن ناحيته أكد قائد الجيش العماد جوزيف عون أن الجيش اللبناني مسؤول عن أمن المتظاهرين وباقي المواطنين، مجدداً التأكيد أن اقفال الطريق أمر غير مسموح به وأن حرية التنقّل مقدّسة في المواثيق الدولية.
وأكد قائد الجيش أن التوقيفات التي حصلت مؤخّراً شملت عناصر عملت على إحداث شغبٍ وواجهت الجيش وحاولت منعه من تنفيذ مهمّته وتعرّضت له .
الجدير بالذكر أن المواجهات التي حصلت بين المتظاهرين والقوى الأمنية نتج عنها إصابات بين الجانبين، وقد سقط قتيل واحد في لبنان برصاص أحد العسكريين وقد سلم نفسه للقضاء وتولت قيادة الجيش التحقيق لكشف ملابسات هذه الحادثة حيث عبر قائد الجيش عن بالغ أسفه لمقتل الشاب علاء أبو فخر، مؤكداً أن القضية أصبحت بيد القضاء، حيث لفت إلى أن هذه الحادثة هي الوحيدة التي حصلت خلال شهر من التحركات الشعبية، وقال إن الوضع مختلف في عدد من الدول التي تشهد أحداثاً مماثلة والتي يسقط فيها عدد كبير من الضحايا، وهذا ما نعمل على تفاديه .