أكد الخبير المالي والاقتصادي عبدالله الخاطر أن دولة قطر الأقل تضررا من صدمة تراجع أسعار الطاقة، وذلك نتيجة لحسن استغلال زمن الطفرة وتوظيف العوائد المالية في مجالات استثمارية متنوعة.
وقال الخاطر في حوار خاص لـ لوسيل ، إن السوق المالية والبورصة أخذتا في التحسن نتيجة خروج المضاربين وكبار المستثمرين إلى السوق المالي تدريجيا، مطالبا بضرورة فسح المجال أمام الشركات المتخصصة لتمثيل الأفراد داخل البورصة لضمان حسن الأداء. وفيما يلي نص الحوار:
* وصل سعر برميل النفط خلال يناير الماضي إلى 30 دولارا، كيف تنظرون إلى الاقتصاد القطري في ظل تراجع أسعار الطاقة؟
- للحديث عن الاقتصاد القطري لابد لنا من النظر من أكثر زاوية، فإذا نظرنا في البداية، وباستعجال للاقتصاد وعلاقته بتراجع أسعار النفط نتأكد أن ميزانية قطر هي الأقل تضررا على المستوى الإقليمي والدولي. فقطر قبل الصدمة وتراجع أسعار النفط اعتمدت معيار 65 دولارا للبرميل مقارنة مع دول أخرى على غرار إيران والبرازيل اعتمدت أسعار تراوحت بين 120 و180 دولارا للبرميل.
وخلال مرحلة الطفرة استفدنا كثيرا من الفوائد المالية وتعاملنا معها برشد، من خلال إنشاء الصندوق السيادي وتنوع مصادر الاستثمار، بموضوعية.
وإذا نظرنا للاقتصاد الفعلي، فإن المؤشرات الصادرة في الربع الثالث تعتبر إيجابية، حيث بلغ معدل النمو 3.8 %، وهو من أعلى معدلات النمو، أما من ناحية المشاريع، فقد عملت قطر بجهد ما قبل الصدمة لتشييد بنية تحتية ضخمة يستفيد منها الاقتصاد على غرار مطار حمد الدولي والشوارع وقطار الأنفاق، مع تنويع المشاريع الاستثمارية في البنية التحتية.
وما يحسب لدولة قطر هو حسن توظيفها لفوائض الميزانية في الاستثمار، خاصة في البنية التحتية التي ستؤتي أكلها خلال السنوات القليلة القادمة فهي لم تكن مجرد مشاريع اعتباطية بل كانت مشاريع مقامة على استراتيجية واضحة.
عموما، فإن المشاريع مازالت قائمة والنمو الاقتصادي يصل إلى درجة الممتاز، خاصة أننا لم نتعرض إلى أزمات كبيرة من ناحية التضخم وتراجع الأسعار ولم نتعرض لتضخم سلبي أثر على الاقتصاد حتى الآن، ومعظم المعطيات إيجابية، فالدولة القطرية قادرة على التأقلم مع الميزانية الجديدة وتخطي تراجع أسعار النفط.
* يقودنا الحديث إلى الميزانية والعجز المسجل فيها، فما هي أبرز الحلول اللازمة لسد هذا العجز؟
- أعتقد أن مؤسسات الدولة مدركة تماما لتراجع أسعار الطاقة التي فاجأت كثيرا من الناس والخبراء، وهناك حلول سريعة لتلافي العجز أو على الأقل الحد منه، وكذلك هناك حلول متوسطة المدى وأخرى بعيدة المدى.
من بين الحلول السريعة في اعتقادي، هناك القروض بشكل عام والسندات السيادية، وإن كان في الوقت الحاضر الهدف منها تغطية العجز على مراحل إلا أنها من الأدوات المهمة التي يحتاجها المستثمر الذي قد يأخذ أسهما أو سندات الأكثر أمانا وأقل تذبذبا وتقلبا، بحيث تكون التدفقات النقدية منها شبه مستقرة وتصلح لفئات عمرية معينة وتصلح لمؤسسات كثيرة في الدولة وقطاعات معينة، والأهم صندوق المعاشات، لأن موضوع التدفقات موضوع دقيق واستقرار التدفقات مهم وبما أنها سندات سيادية تكون المخاطر عليها قليلة. وكنا ندعو إليها حتى قبل تراجع أسعار النفط لأنها أداة لتوظيف المال ومهمة لتحسين أداء الحقائب وتحفظ المخاطر لذلك فهي أدوات يحتاجها مدراء المال وتحتاجها السوق والبورصة كذلك.
* تحدثت عن السندات وعلاقتها بالفئات العمرية، ما المقصود بذلك؟
- طبعا، السوق المالي بشكل عام هو أداة للمخاطر بالنسبة للمستثمر، وكذلك كلما زادت المخاطر زاد المردود، والوعي على المخاطر موضوع مهم وأول شيء طالبنا به أن يكون هناك دفع حقيقي من قبل المؤسسات القائمة على البورصة والقطاع المالي لتشجيع المؤسسات على العمل بدل الأفراد، لأن هؤلاء غير متخصصين ومتفرغين، وقد تقودهم الإشاعة والمخاوف والأطماع في حالات معينة وهي أمور تحدث في الأوقات الخطأ، ففي بعض الأحيان يبيع المستثمر في الوقت غير الصحيح وفي أحيان أخرى قد يشتري في الوقت غير الصحيح لذلك تكون العملية شبه عشوائية واعتباطية دون وعي ورؤية للأساسيات في الاقتصاد.
ما نلاحظه اليوم في الأسواق العالمية وجود المستثمر الفرد، وهو ما يؤثر سلبا، لهذا نطالب بإيجاد مؤسسات تقوم بخدمة الأفراد بطريقة الاستثمار في البورصة. واليوم نحن مدعوون لتفسير مفهوم البورصة وأسباب إيجادها والإجابة على أسئلة المواطنين والمستثمرين حتى يطمئنوا لها.
عندما نتكلم عن البورصة نحن لا نتكلم على التداول، رغم أن معظم حديث الأفراد والخبراء يدور حول التداول، وهو جانب وأداة من آليات البورصة لتحقيق أهدافها وغاياتها. فأهداف البورصة جذب الفوائض المالية والاستثمارات وجذب الاستثمارات من الخارج وتوظيفها في دعم الاقتصاد خدمة له وللتنمية.
في الحقيقة دور البورصة لا يقف عند التداول فقط، فهناك الجانب الآخر للبورصة المتمثل في خفض المخاطر وخفض التكلفة.
عندما نقول إن البورصة تحفض المخاطر للفرد وللمؤسسة، فإننا نقصد لو أنت فرد وتمتلك مبلغا أو فائضا من المال، فيمكنك أن تستثمر بشكل مباشر في العقار أو تستثمر في البورصة . فإذا قلنا إنك توجهت للبورصة فإنها تمكنك من الاستثمار في العقار بعيدا عن مخاطر الاستثمار المباشر في العقار. أما إذا توجهت للاستثمار المباشر فأنت مطالب بتوفير مبالغ مالية ضخمة وتوفير إدارة إلى غير ذلك من المخاطر. بالتالي أنت في البورصة قادر على البيع والشراء متى رغبت وتنويع محفظة استثماراتك مع التمتع بأفضل الخدمات، ولكن خارج البورصة فأنت معرض لمشاكل كبيرة، أضف إلى ذلك شفافية البورصة، حيث تخضع للمراقبة من مجالس إدارة ومراقبين خارجيين والقائمين عليها ومؤسسات الدولة وديوان المحاسبة. فالبورصة تقوم اليوم بجمع الفوائض المالية وتوجيهها في خدمة الاقتصاد والتنمية أو في خفض المخاطر الهائلة.
* اللون الأحمر يسيطر على مؤشرات البورصة منذ بداية يناير، ما تعليقك على ذلك؟
- منذ السنة الماضية والمسلسل متشابه، لكن الواقع الاقتصادي لا يعترف ببداية السنة أو نهاية السنة، بالنسبة لنا السنة تنتهي في آخر يناير، مثلما أسلفنا الحديث سجلنا تراجعا في الطاقة وتشاؤما كبيرا حف بقطاع المعادن والسلع وسندات الشركات التي يعتبر مردودها عاليا، أضف إلى ذلك أن رياح الضغط مازالت مستمرة إلى جانب تأثرنا بتراجع الاقتصاد الصيني الذي كان له الأثر الكبير على النفط والمعادن والسلع والاقتصاد العالمي عموما، ومازال هذا مستمرا.
قمنا بمقارنات وراجعنا الأرقام وتراجع شنغاهي في بداية السنة 7-7-5 ونزول المؤشرات خلال الصيف إلى 2800 واليوم شنغاهي مازالت فوق 3000 نقطة، ورغم التشاؤم فإن السوق لم تنزل كثيرا.
اليوم سورس أكبر المضاربين في الدول والذي يعمل على تراجع العملات وكان آخرها الباوند يشتكي من سوء أداء السوق، وأعتقد أن هذا أحد المؤشرات الإيجابية على أن المضاربين أحسوا بالألم وبدأوا يخرجون وهو ما سيقودنا إلى استقرار الأسواق. اليوم المؤشرات أخذت في التحسن، ونظرتي للنفط أصبحت أقل تشاؤما.
بالنسبة للمعادن والسلع مازالت تعاني نوعا ما، ويعود السبب إلى أن أغلب هذه المواد قادمة من الصين ويمكن اعتبار السوق الصيني مدينة أشباح، أما النمو في الطاقة فقد تحسن حسب المؤشرات، حيث وصل الطلب إلى 1.5 % . و بدأنا ندخل مراحل معدلات إفلاس شركات الزيت الصخري، وهي مؤشرات تدل على تراجع حقيقي في إنتاج النفط الصخري يعني النفط سيبدأ بالاستقرار.
* هل دق ناقوس الخطر وباتت دول الخليج مطالبة بمسابقة الزمن لتنويع الاقتصاد حتى تتجنب أزمات محتملة في المستقبل؟
- تكلمنا منذ البداية عن حلول قصيرة ومتوسطة وأخرى بعيدة المدى، وتنويع الاقتصاد من الحلول بعيدة المدى وهو أحد الحلول بالنسبة لتراجع النفط، فمثلا بالنسبة لتراجع النفط أسلفنا حل السندات السيادية. وبالنسبة لنا في قطر خاصة يمكن لنا استخدام السياسة النقدية بشكل يوفر سيولة للسوق والاقتصاد وخفض أسعار الفائدة التي تقدر بحوالي 4.5 وهي مرتفعة في اعتقادي، وهذ يعطي للمصرف المركزي هامشا كبيرا لخفض أسعار الفائدة ويمكن من ضخ سيولة. ثانيا يمكن خفض الاحتياطيات القانوينة لدفق سيولة أكبر. كما يمكن للقائمين على البورصة المساهمة في ذلك من خلال تطبيق الهامش لما يوفره من سيولة إلى جانب وضع أدوات أخرى كل هذا على المدى القصير.
أما على المدى المتوسط فلابد من التركيز على المشاريع الجوهرية والتركيز على الأولويات والتنمية والمشاريع التي تمكن قطر من الوفاء بالتزاماتها العالمية أيضا التخفيف بشكل تدريجي من مواضيع الدعم مع مراجعة بعض الرسوم في المنافذ الحدودية مثل المطارات والموانئ والمناطق السياحية مثل كتارا، إضافة إلى الرسوم على التحويلات خارج البلاد لأنها سيولة تفقد من داخل البلاد.
أما الأمور الأخرى فهي هيكلية وبنوية ودول الخليج قادرة على القيام بها، أما موضوع التنويع فيحتاج لحديث مطول لأهميته بالنسبة لكل دولة وخاصة قطر، فنحن محتاجون للإجابة عن أسئلة جوهرية، مثلا هل ثقافة البلد تؤهل للتحرك في قطاع معين؟ وهل نهتم بالصناعة أم بالتطوير بالاقتصاد الرقمي؟.
* ماذا تقول في نهاية حديثك؟
- أختم الحديث بالتأكيد على ضرورة مراجعة الأسس التي نريد أن نبني عليها التنمية مثل مراجعة الأولويات بالنسبة للميزانية، وتراجع أسعار النفط، ومراجعة بنية الاقتصاد والميزة التي يملكها، وكيف نبني مستقبلنا على أهم ميزة تنافسية نملكها، دون أن نقلد الاقتصاديات الأخرى.
اقتصادنا الوطني قوي وفريد، لذا يجب أن نبني بنية اقتصادية فريدة من نوعها تقوم على الأسس الموجودة. نحن مطالبون اليوم أولا بفهم اقتصادنا وتشييد بنية صحيحة على أساس استيعابنا لقدرتنا وحلولنا الاقتصادية، فكثير من المشاريع قد لا تتماشى مع نسيجنا المجتمعي أو الثقافي، لذلك لابد من الدعوة بين فترة وأخرى إلى الرجوع للأساسيات. كما يمكن أن نتحاور جميعا لتحديد أسس اقتصادنا وثقافتنا ومن ثم كيف نعكس تلك الرؤية على نظامنا التعليمي، فالتعليم هو أساس التنمية في أية دولة.