انهارت محادثات التجارة بين الولايات المتحدة وكندا في اللحظة الأخيرة، مع بدء تطبيق رسوم جمركية جديدة بنسبة 50% على سلع كندية بمليارات الدولارات، فيما تعهد رئيس الوزراء مارك كارني بالرد.وفقا لبلومبرغ
دخلت الرسوم الأميركية حيز التنفيذ يوم السبت على مئات السلع التي تشتريها الولايات المتحدة من كندا، مثل الخشب الرقائقي والمشروبات الكحولية والمعدات الكهربائية ومستلزمات هوكي الجليد، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 20 مليار دولار. وقال كارني إنه علّق المحادثات وإن حكومته ستفرض رسوماً مماثلة دولاراً بدولار لحماية عمالنا وشركاتنا . ويعد مسؤولون أميركيون بتقديم خيارات للرئيس دونالد ترمب لتصعيد الإجراءات إذا فعل كارني ذلك.
تبادل الاتهامات
حمّل كل جانب الآخر المسؤولية عن انهيار المحادثات. وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إن المفاوضين الكنديين قدموا مطالب في اللحظات الأخيرة نسفت مسودة اتفاق جرى التوصل إليها بعد أيام من المفاوضات.
وقال غرير في بيان: على الرغم من أن الولايات المتحدة عرضت على كندا الحصول على معاملة أفضل من أي مُصدر كبير إلى أسواقنا، فقد أدت المطالب الجديدة وتراجع كندا عن التزامات أخرى إلى اختلال التوازن الدقيق الذي توصلنا إليه خلال الأيام الماضية .
جيميسون غرير، الممثل التجاري الأميركي، في الوسط، وكيلي لوفلر، مديرة إدارة الأعمال الصغيرة الأميركية، على اليمين، خلال جولة في شركة تايتن تاير بمدينة دي موين، ولاية أيوا، الولايات المتحدة، يوم الجمعة 14 أغسطس 2026 -
في المقابل، قال كارني إن الولايات المتحدة هي التي غيرت موقفها، مضيفاً أن التغييرات التي طرأت في اللحظة الأخيرة على الشروط التي اقترحتها الولايات المتحدة كانت غير عادلة ولا عملية، وأثارت الشكوك حول إمكانية التعويل على أي اتفاق .
لم تتضح على الفور القطاعات الأميركية التي سيستهدفها كارني في رده، أو مدى سرعة اتخاذ الولايات المتحدة أي خطوات إضافية بدورها، لكن تصعيد الموقف في الساعات الأخيرة أشار إلى احتمال اندلاع حرب تجارية متصاعدة بين الاقتصادين.
لا موعد لمحادثات جديدة
وقال مسؤول أميركي، طلب عدم الكشف عن هويته، في وقت متأخر من يوم الجمعة إنه لم يتحدد موعد لإجراء محادثات جديدة. وأضاف أن الإدارة ستقدم لترمب خيارات لتحقيق التكافؤ إذا أقدمت كندا على الرد.
يزيد فشل التوصل إلى اتفاق التوتر بين الحليفين القديمين اللذين بلغ حجم التبادل التجاري في السلع والخدمات بينهما نحو 900 مليار دولار العام الماضي. وإلى جانب الرسوم، تحدث ترمب علناً عن تحويل كندا إلى ولاية أميركية، ووصف رؤساء وزرائها بأنهم حكام (ولايات) ، وقال إن البلاد لا يمكنها البقاء دون الولايات المتحدة.
سلط ذلك الضوء على مدى استعجال ترمب ليلة الثلاثاء، عندما أعلن قبل أقل من ساعتين على الموعد الأصلي لدخول الرسوم حيز التنفيذ أن الجانبين توصلا إلى اتفاق. وقال مسؤولون كنديون لاحقاً إنه لا تزال هناك حاجة إلى التوصل لاتفاق بشأن بعض البنود المهمة.
كان الجانبان يناقشان اتفاقاً يتضمن خفض الرسوم إلى 25% على بعض أنواع الصلب والألمنيوم الكندية و15% على السيارات الكندية، وإلغاء رسوم بنسبة 10% على الأخشاب. وقال المسؤول الأميركي إن المحادثات انتهت عندما طلبت كندا تنازلات إضافية في اثنين من تلك الجوانب، رافضاً تحديدهما.
لكن مسودة الاتفاق لم تكن بمنأى عن الانتقادات. فقد اعترض قطاعا الصلب والألمنيوم في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، على الإجراءات التي كانت ستضعف موقفيهما. كما واجه كارني انتقادات في كندا بسبب التنازلات التي كان مستعداً لتقديمها، إذ كانت ستؤدي فعلياً إلى تقنين رسوم أعلنت كندا منذ فترة طويلة أنها غير قانونية، وإن كانت بنسب أقل.
تفرض الحرب التجارية تحدياً جديداً على ترمب، الذي يواجه تراجعاً في استطلاعات الرأي وصراعاً مطولاً مع إيران بينما تقترب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. ومن شأن وجود خلاف مع كندا، وهي واحدة من أكبر المصدرين إلى أميركا، أن يؤجج مخاوف الناخبين بشأن ارتفاع الأسعار، ويزيد تعقيد مسار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في وقت تسعى فيه الإدارة إلى تهدئة سوق السندات وخفض تكاليف الاقتراض.
وأكد غرير في بيانه، الصادر في وقت متأخر من يوم الجمعة، أن الاتفاق كان سيخفض الرسوم على السيارات والصلب والألمنيوم والأخشاب، ويتيح للبلدين التعاون في ضوابط التصدير والتجارة الرقمية وبعض الرسوم الجمركية المشتركة التي لم يحددها.
وكان الجانبان سيبدآن أيضاً مفاوضات رسمية لتجديد اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي تفاوض عليها ترمب خلال ولايته الأولى لكنه رفض تجديدها في وقت سابق من العام الجاري، ما أدخل الاتفاقية في سلسلة من المراجعات المتعاقبة على مدى عقد.
في المقابل، كانت كندا مستعدة لإزالة الإجراءات المضادة التي طبقتها العام الماضي بعد أن أطلق ترمب الحرب التجارية، وإن كان النطاق الكامل للتنازلات المحتملة لم يُعلن. وكان البيت الأبيض يسعى إلى إلغاء الرسوم الكندية المضادة على المركبات الأميركية الصنع وإنهاء الحظر المفروض على بيع المشروبات الكحولية الأميركية بالتجزئة في معظم المقاطعات.
قلق لدى صغار المُصدرين في كندا
وقال دان كيلي، رئيس الاتحاد الكندي للأعمال المستقلة: بينما آمل أن تتضح المزيد من التفاصيل بشأن ما حدث وما سيحدث لاحقاً، فإن هذا الأمر يثير قلقاً بالغاً للآلاف من صغار المصدرين الكنديين. وفقا لبلومبرغ
وتُفرض الرسوم الجديدة البالغة 50% بموجب بند لم يُستخدم من قبل في قانون الرسوم الجمركية لعام 1930، يمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم على الدول التي يرى أنها ترتكب ممارسات تمييزية ضد التجارة الأميركية.
لكن الرسوم الجديدة لن تشمل أهم الموارد الطبيعية التي تستوردها الولايات المتحدة من كندا، مثل النفط والبوتاس والمعادن الحيوية. وتعد كندا أهم مورد أجنبي للنفط الخام والمنتجات البترولية إلى الولايات المتحدة، بأكثر من 4 ملايين برميل يومياً.
كارني يحظى بدعم داخلي
تظهر استطلاعات الرأي في كندا دعماً واسعاً للرد على رسوم ترمب، فيما يدرس المسؤولون في أوتاوا مجموعة من الخيارات، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر.
وقال كارني في اتصال مع رؤساء حكومات المقاطعات الكندية في وقت سابق من الأسبوع إن حكومته مستعدة للرد بفرض رسوم مماثلة دولاراً بدولار إذا لزم الأمر، لكنه أعرب عن ارتياحه لإطار الاتفاق، وقال إنه سعيد لعدم اضطراره إلى اتخاذ تلك الخطوة التي وصفها بأنها قد تنطوي على أضرار كبيرة، وفقاً لشخص مطلع على الأمر.
وقال دوغ فورد، رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو، قلب صناعة السيارات الكندية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت مبكر من يوم السبت: رئيس الوزراء يحظى بدعمي الكامل لاتخاذ رد قوي، رسوم مقابل رسوم، ودولار بدولار .
كان كارني قد استبعد في وقت سابق على ما يبدو تقليص إمدادات الموارد الطبيعية المهمة إلى الولايات المتحدة. وقال للصحفيين في أواخر يوليو، بعد فترة وجيزة من تهديد إدارة ترمب للمرة الأولى بفرض الرسوم البالغة 50%، إن كوننا مورداً موثوقاً به أمر مهم .
وقال كارني إن كندا ستعلن قريباً أيضاً عن إجراءات إضافية لدعم العمال والشركات الكندية ، دون أن يقدم تفاصيل.
وقدّر تريفور تومبي، أستاذ الاقتصاد في جامعة كالغاري، أن كندا قد تخسر نحو 90 ألف وظيفة إذا استمر فرض هذه الرسوم. وأضاف أن التأثير الأكبر على الصادرات سيتركز في قطاعات الآلات والإلكترونيات، واللدائن والمطاط، والأثاث، والأخشاب، والورق، والكيماويات ومستحضرات التجميل. وقال إن مقاطعات كولومبيا البريطانية وأونتاريو وكيبيك ستكون الأكثر تضرراً.