في مشهد له دلالاته المهمة على المشهد المستقبلي للإمارات، ويعكس في ذات الوقت التراجع الكبير الذي تشهده إمارة دبي كمركز اقتصادي إقليمي ودولي مميز، تقدم الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي خطوات في اتجاه الإمساك الفعلي بزمام الأمور وتنصيب نفسه رئيساً للبلاد، والجميع يشاهده وهو يسير في البساط الأحمر إلى جوار الرئيس الصيني شي حين بينغ أثناء زياته إلى الإمارات مؤخراً متجاوزاً الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم إمارة دبي ، أي الرئيس الفعلي بحكم الدستور والقانون في ظل الغياب المستمر للشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة. بل وفي إشارة واضحة لتغييب نائب الرئيس، كان بن زايد في وداع الرئيس الصيني في ختام زيارته.
بن زايد يدرك التأثير القوي لإمارة دبي على الصعيد الاقتصادي الذي اكتسبته من الاستثمارات الضخمة وتهيئة نفسها كمنطقة تجارية دولية ومنطقة عبور ترانزيت لكثير من البضائع التي يعاد تصديرها إلى مناطق مختلفة من العالم بالرفم من أنها ليست إمارة نفطية. لذلك خطط ومنذ وقت طويل لبسط سيطرته على مفاصل مقدرتها التي جعلتها منافساً قوياً لأبو ظبي.
أزمة 2009
جاءت أزمة 2009 التي عصفت باقتصاد دبي، فرصة سانحة ليستغلها بن زايد في تنفيذ مخططه للاستيلاء على كثير من الأصول فيها. فقد كانت الأزمة أكبر من قدرات الإمارة لمواجهتها، بعد أن غرقت في بحر من الديون تجاوزت 80 مليار دولار ويقول البعض إنها وصلت إلى 130 مليار دولار.
وجد بن راشد نفسه وجها لوجه أمام أطماع بن زايد، فبعد الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت سوق العقار، جفت منابع السيولة. فما كان أمامه سوى خيارات محدودة، وهي أن يلجأ إلى بيع جزء من أصول دبي لأبوظبي التي كان لديها فائض سيولة ضخم يتجاوز 700 مليار دولار وقتها، أو أن يتعاون مع البنك المركزي لإقراض الإمارة بسندات وهذا حدث فعلاً بحصولها على 20 مليار دولار، ولكنها ليست كافية لتغطية العجز الكبير في الديون، إذ كانت شركة موانئ دبي العالمية وحدها مدينة بنحو 60 مليار دولار.
وفي ظل محدودية الخيارات، وعدم وجود طلب على المنتجات العقارية التي اشتهرت بها دبي، قدم محمد بن زايد 10 مليارات دولار مقابل الاستحواذ على نصيب وافر من موانئ دبي العالمية لصالح أبو ظبي وشركة دبي العالمية. كانت تلك الصفعة الأولى التي وجهها لحاكم دبي، ولا يزال يعاني من تباعتها إلى الآن.
القطاع العقاري
وفي دورة تراجع كبير جديدة وشبيهة بسابقتها، يقود إمارة دبي إلى التسليم النهائي لحاكم الإمارات الفعلي بوضع اليد محمد بن زايد. فقد أسرفت دبي في مشاريع عقارية كبرى واقترضت شركاتها الحكومية، وأبرزها شركة دبي العالمية، قروضا أكبر من طاقة الإمارة نفسها، على أمل أن تقوم هذه الشركات ببيع الممتلكات والمنتجات العقارية لتسديد الديون، ولاسيما في ظل الإقبال الشديد على شراء العقارات في دبي، وتوقعاتهم بتواصل ارتفاع أسعار العقارات قبل أن تعصف الأزمة المالية بكل الآمال.
يعود المشهد الآن بكل تفاصيله، حيث يواجه القطاع العقاري ذات المأزق من التراجع الذي بدأت ملامحه منذ أكثر من عامين. وتشير متابعات لوسيل إلى أزمة كبيرة في قطاعي الطيران والعقارات في دبي، ومنذ مطلع العام الماضي بدأت أزمة القطاع العقاري في الإمارات تظهر إلى السطح. وسجلت شركة الاتحاد العقارية، إحدى كبرى شركات التطوير العقاري في إمارة دبي، خسائر قدرها 2.3 مليار درهم بنهاية النصف الأول 2017، (الدولار يعادل 3.67 درهم) مقارنة بأرباح قدرها 113.8 مليون درهم تم تحقيقها خلال نفس الفترة من عام 2016.
وعزت الشركة في بيان لها سبب الخسائر خلال الفترة الحالية إلى تسجيل خسائر من تقييم العقارات الاستثمارية تجاوزت ملياري درهم، مقارنة بتحقيق أرباح قدرها 165.7 مليون درهم خلال النصف الأول 2016، وارتفاع التكاليف المباشرة بنسبة 23%، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التمويل بنسبة 43%.
وفي ذات الوقت واصلت شركة الخليجية للاستثمارات الإماراتية خسائرها في النصف الأول من هذا العام والتي بلغت 82 مليون درهم، مقابل أرباح بلغت نحو 14 مليون درهم في النصف الأول من العام السابق.
وها هي أزمة أبراج كابيتال تلقي بظلالها على المشهد وتكشف عن حجم الأزمة التي تعصف بالإمارة، وقضية الشيكات المرتجعة التي هزت عروش المؤسسات المالية وأفقدت المستثمرين الثقة في القطاع المصرفي.
في مؤشر واضح لانتهازية محمد بن زايد وتحينه الفرص، ففي اتجاه يشكف سرعة استغلال الموقف قدمت شركة أبوظبي كابيتال مانجمنت التابعة لمجموعة أبوظبي المالية عرضاً لشراء حقوق إدارة صناديق مجموعة أبراج . وأوضحت مصادر أن الشركة عرضت على مصفي أبراج مبلغاً قدره 55 مليون دولار لشراء حقوق إدارة الصناديق وتغطية مدفوعات نهاية الخدمة للموظفين، بحسب وكالة بلومبيرج.
الأموال التي دفعها محمد بن زايد في السابق كانت نتيجتها إخضاع دبي لقيود سياسية وتجارية بعد أن ظلت تلعب خارج حلبة السيطرة وهو ما كان يزعج أبو ظبي، وتهيئة الملعب لإقرار الواقع بشكل عملي بإعلان خضوع دبي لسلطة أبو ظبي. وتأكيداً لهذا وفيما بدا أنه مقدمة لانتقال الحكم إلى ولي العهد، أصدر رئيس الإمارات مرسوماً أميرياً، في سبتمبر 2017، عيَّن بموجبه محمد بن زايد آل نهيان رئيساً للمجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، بجانب ولاية عهد الإمارة، وولاه منصب نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
خضوع محمد بن راشد تجلى منذ أزمة 2009، وكأنما كان ينتظر اللحظة لإعلان ولائه التام للرئيس المقبل، فقد بدأ الأمر واضحاً منذ أن أطلق محمد بن راشد اسم محمد بن زايد على أحد أهم شوارع البلاد وهو طريق الإمارات في يناير 2013، وقد حمل هذا التغيير رمزية كبيرة، حيث حلّ اسم بن زايد محل اسم بلاده.
وأمر بوضع جملة شكراً محمد بن زايد ، على برج خليفة، وذلك بالتزامن مع يوم جلوس بن راشد، الذي يوافق الرابع من يناير.
وصممت هيئة الطرق والمواصلات لوحات و100 علم، تضمنت صورة محمد بن زايد آل نهيان إلى جانب وسم # شكرا_ محمد_ بن_ زايد، حيث تم وضع لوحة كبيرة تحمل صور بن زايد على شارع الشيخ زايد، ولوحات رقمية على جسور شارع الشيخ زايد، في تجاهل واضح لرئيس الإمارات الشيخ خليفة بن زايد، بل اضطرت دبي لتغيير اسم أهم معالمها من برج دبي إلى برج خليفة ، كما أنها صمتت طويلاً حيال السياسات الخارجية والداخلية المتهورة لابن زايد.