تترقب أسواق الأسهم والسندات والعملات اليوم الأربعاء انتهاء اجتماع لجنة السوق المفتوحة الأمريكية المنوط بها تحديد أسعار الفائدة في أول اجتماع لها هذا العام، وهو العام الذي شهدت بداياته وأيامه الأولى أسرع توجه لرفع سعر الفائدة منذ عام 2009. ولم تنتظر السلطات النقدية حول العالم كثيرًا مع بداية 2022، ففي الرابع من يناير قرر المركزي البولندي تشديد السياسة، وهو رقم قياسي لم يحدث منذ 12 عامًا، ففي 2018 مثلا استغرقت البنوك المركزية العالمية نحو 8 أيام، وفي 2016 استغرقت 14 يومًا، لكن يبدو أن عام 2022 سيدخل ضمن قائمة أكثر الأعوام التي ستشهد توجهات تشديدية مبكرة ومكثفة في آن واحد.
وتتجه أنظار المستثمرين والمتابعين للشأن الاقتصادي في دولة قطر خلال الساعات المقبلة إلى ما ستكون عليه قرارات الفيدرالي الأمريكي في ما يتعلق بتحركات أسعار الفائدة الأمريكية، ومدى انعكاسها على السوق المحلي في دولة قطر، وبالأخص تحركات مصرف قطر المركزي في هذا الإطار، في ظل ارتباط الريال القطري بالدولار الأمريكي، كما أن السياسة النقدية القطرية والخليجية عموما تتماهى إلى حد كبير مع توجهات الفيدرالي الأمريكي سواء على مستوى زيادة أسعار الفائدة أو تخفيضها.
ووفقا للتوقعات والقراءات الأولية فإن أي زيادة على أسعار الفائدة الأمريكية، ستنعكس على تحرك أسعار الفائدة في الجهاز النقدي القطري، خاصة أن تحركات مصرف قطر المركزي على مستوى أسعار الفائدة كانت مشابهة لتحركات الفيدرالي الأمريكي منذ إقرار التيسير الكمي من أجل تحفيز الاقتصاديات العالمية منذ شهر مارس من العام 2020 مع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد كوفيد- 19 ، وذلك عبر تخفيض أسعار الفائدة الرئيسية وضخ السيولة اللازمة في الجهاز المصرفي بالإضافة إلى مجموعة من الإجراءات والبرامج التحفيزية لكافة الأنشطة والقطاعات الاقتصادية.
وأمام تعافي الاقتصاد القطري، وتعافي كافة المؤشرات فإنه من المرتقب أن نشهد تحركات إما على مستوى أسعار الفائدة سواء على الإقراض أو الإيداع أو نسبة الاحتياطي الإلزامي وحتى نسبة الريبو. ويشار في ذات الإطار، إلى أن مصرف قطر المركزي أعلن نهاية العام الماضي أنه بناءً على المعطيات الاقتصادية المحلية والدولية، وفي ظل استمرار التعافي التدريجي للنشاط الاقتصادي من الآثار السلبية لتفشي وباء كورونا حيث تشير البيانات والإحصاءات الاقتصادية إلى أن النظام المالي والمصرفي المحلي مستقر، كما لا تزال السيولة المحلية ومعدلات الائتمان المحلي عند مستويات عالية حيث يواصل المصرف عمليات إدارة السيولة بشكل استباقي لضمان سيولة مريحة للنظام المصرفي مع توجيه أسعار الفائدة البنكية إلى المستوى المطلوب لتسهيل التدفق الكافي للائتمان للمقترضين من أجل المحافظة على الاستقرار المالي. وبناءً عليه سوف يشرع مصرف قطر المركزي في تنفيذ الإستراتيجية المستقبلية للخروج الآمن التدريجي لحزم الدعم الاستثنائية التي أطلقها ضمن خطة الدعم الاقتصادي الشاملة للدولة والتي أثبتت فاعليتها في التخفيف من الآثار السلبية لكوفيد- 19، من خلال خروج متدرج ومدروس يراعي التفاعل بين مختلف تدابير السياسة النقديه والعمل على استمرارية النشاط الاقتصادي والمصرفي في دولة قطر.
وقياسا على ما سبق فإنه من المتوقع أن نشهد زيادة على مستوى أسعار الفائدة خلال العام الجاري. وفي هذا الإطار، يوضح خبراء اقتصاديون ومحللون ماليون أن الفترة المقبلة ستشهد العديد من المتغيرات الاقتصادية التي من شأنها أن تحدد التوجهات المتعلقة بالسياسات النقدية للدول وفي مقدمتها الفيدرالي الأمريكي الذي سيحدد موقفها تجاه أسعار الفائدة سواء بتحريكها صعودا من خلال زيادة رفعها أو من خلال إعادة تخفيضها، حيث أوضحوا أن أسعار الفائدة ستكون رهينة بالمتغيرات الجيوسياسية والجيواقتصادية في العديد من المناطق، وما ستؤول إليه الحرب التجارية بين أمريكا والصين، ومدى تأثيرها على العديد من الدول، وفي مقدمتها الدول الصناعية والدول الأوروبية التي ستكون أمام عدة خيارات من أجل المحافظة على اقتصادياتها.
وتعمل البنوك المركزية في مختلف دول العالم على الموازنة بين العرض والطلب النقدي، مع متابعة كافة المؤشرات الاقتصادية وفي مقدمتها مؤشر التضخم ومؤشر الصناعة والتجارة الخارجية وعلى وجه التحديد عمليات التصدير والاستيراد، ومدى قدرة الجهاز المصرفي على مجاراة توجهات الأسواق المحلية. لا تقتصر أسعار الفائدة على مستويات الإقراض والإيداع وحسب وإنما تشمل عمليات أخرى، على غرار أسعار الفائدة على الريبو، إلى جانب تحريك نسب الاحتياطي الإلزامي وهو النسبة الإلزامية التي تضعها البنوك في شكل إيداعات لدى البنك أو المصرف المركزي لمدة معينة، وهي من الأدوات النقدية لإدارة السيولة بشكل عام. ومن المرجح أن يقتصر تحريك معدل نسبة الاحتياطي الإلزامي و/أو نسبة الفائدة على الإقراض، ومستويات الفائدة على الإيداع.
وتعاني الدول العربية والأفريقية بصفة عامة من تفاقم مشكلة ارتفاع مستويات مديونياتها الخارجية المقومة بالدولار، والإشكالية الأكبر لهذه الدول هي الفوائد المركبة على أصل الدين، وسيؤثر تشديد السياسة النقدية الأمريكية سلبا على الدول ذات المستويات المرتفعة من الديون بالدولار، خاصة بالنسبة للدول التي تجاوزت فيها المديونية الخارجية حجم الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويتوقف مدى تأثير قرار رفع سعر الفائدة الأمريكية على الدول ذات المديونية المرتفعة بالدولار، على حجم احتياطي النقد الأجنبي لكل دولة، والقيمة التي يشكلها الدولار لهذا الاحتياطي، وقد تتعرض الدول التي تعتمد على التمويلات الخارجية، وخاصة استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي أو ما يسمى بالأموال الساخنة، لضغوط مالية كبيرة حال خروج هذه الأموال من هذه الدول بحثا عن أسعار فائدة أعلى.
ومن المتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إلى أزمة ديون في البلدان التي ترزح تحت وطأة الديون المرتفعة، وإذا كان لدى تلك البلدان، في الوقت نفسه، ميزان تجاري ومدفوعات سلبية، فإن انخفاض تدفق العملة الصعبة إلى الدولة، إلى جانب زيادة تدفق العملة الصعبة منها، يمكن أن يتسبب في أزمة عملة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، والدول العربية، باستثناء دول الخليج، على حافة تدهور كبير في وضعها المالي، بالتالي مستوى معيشتها. وعادة ما ينعكس ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية على مؤشرات الاقتصاد العالمي، ويؤدي إلى ارتفاع مؤشر الدولار أمام العملات الرئيسية وكذلك عوائد السندات الأمريكية، كما تتأثر البورصات العالمية سلبا وقد تتعرض لخسائر كبيرة.
وأطلقت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، تحذيرا للدول ذات المستوى المرتفع من الديون المقومة بالدولار من المخاطر التي تهدد اقتصادياتها حال قرر البنك المركزي الأمريكي رفع سعر الفائدة، مطالبة هذه الدول بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتقليل التداعيات السلبية للقرار الأمريكي المرتقب. ودعت، خلال كلمة لها بمنتدى دافوس الاقتصادي، الدول المثقلة بالديون إلى البحث عن محاولات لتمديد آجال الديون المستحقة لمواجهة الاضطرابات المترتبة على رفع سعر الفائدة الأمريكية، مشيرة إلى أن 60 بالمائة من البلدان المنخفضة تعاني من ضائقة ديون أو في خطر أزمة ديون، وهذا ضعف الرقم المسجل في عام 2015.
وطالبت جورجيفا، البنك المركزي الأمريكي بضرورة الإبلاغ عن خطط سياسته بوضوح لمنع أي مفاجآت قد تترتب على قراراته المنتظرة، متوقعة أن يكون عام 2022 أكثر صعوبة بالنسبة لصانعي السياسات بناء على الاختلافات بين البلدان وفوارق الحلول المطلوبة. وأصدر البنك المركزي الأمريكي بيانا عقب آخر اجتماع له في 14 و15 ديسمبر 2021، كشف فيه أنه قد يرفع أسعار الفائدة الرئيسية في موعد أقرب أو بوتيرة أسرع مما كان متوقعا سابقا لاحتواء معدلات التضخم المرتفعة.
وكان المركزي الأمريكي قرر في اجتماعه الأخير الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية ضمن نطاق صفر 0.25 بالمائة المعتمد منذ مارس 2020، مؤكدا أن لجنة السياسة النقدية ناقشت أدوات لكبح التضخم، كخفض حيازته من السندات والأوراق المالية. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الأمريكي، أن التضخم السنوي ارتفع إلى 7 بالمائة في ديسمبر 2021، وهو أعلى مستوى منذ 40 عاما، وهو ما قد يعزز التوقعات بأن يبدأ المركزي الأمريكي برفع أسعار الفائدة في وقت مبكر ربما في مارس المقبل، وفقا لتقديرات بعض المحللين.
وخفض البنك الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والصين وحذر من أن مستويات الدين المرتفعة وتزايد التفاوت في الدخل والمتحورات الجديدة لكوفيد- 19 هي عوامل تهدد التعافي في الدول النامية، وقال إن النمو العالمي من المتوقع أن يتباطأ بشكل ملحوظ إلى 4.1 بالمائة في 2022 من 5.5 بالمائة العام الماضي وأن يواصل الهبوط إلى 3.2 بالمائة في 2023 مع تبدد زيادة مكبوتة في الطلب وإنهاء الحكومات الدعم المالي والنقدي الضخم الذي قدمته في بدايات الجائحة.
وتوقع البنك الدولي أن يهبط النمو في الاقتصادات الناشئة والنامية إلى 4.6 بالمائة في 2022 من 6.3 بالمائة في 2021 وأن يواصل التراجع إلى 4.4 بالمائة في 2023، وهو ما يعني أن الإنتاج في تلك الاقتصادات سيبقى أقل بنسبة أربعة في المائة عن مستويات ما قبل الجائحة. وأشار البنك إلى أن تزايد التضخم، الذي يؤثر بشدة بشكل خاص على العمال ذوي الدخل المنخفض، عند أعلى مستوى منذ عام 2008 في الاقتصادات المتقدمة، والأعلى منذ 2011 في الاقتصادات الناشئة والنامية.
وتأثرت كافة الأسواق العالمية بتوقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، فقد أغلقت أسعار النفط منخفضة متضررة من مخاوف المستثمرين حيال احتمال زيادات أسرع من المتوقع لأسعار الفائدة من مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي، مما دفع أسواق الأصول العالية المخاطر للهبوط في حين ارتفع الدولار. وهوت الأسهم الأمريكية بعد أن سجلت الأسبوع الماضي أكبر خسائرها الأسبوعية منذ عام 2020، متأثرة بتراجع أصول أخرى عالية المخاطر مثل النفط.
وهبط المؤشر القياسي للأسهم الأوروبية متضررا من مخاوف بشأن هجوم روسي محتمل على أوكرانيا والقلق من إشارات إلى تشديد أكبر من المتوقع للسياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي).
فيما استقرت أسعار الذهب دون تغيير يذكر مع انتظار المستثمرين اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي للحصول على أدلة حول رفع أسعار الفائدة في حين أدت المخاوف بشأن التضخم والخلاف بين روسيا وأوكرانيا إلى بقاء جاذبية الذهب كملاذ آمن كما هي.