لعزل إمدادات الطاقة عن الصراعات السياسية..

خبراء الطاقة والاقتصاد: دعوة قطر لإقامة نظام طاقة عالمي جديد تمثل رؤية اقتصادية مسؤولة

لوسيل

عبد الدايم نور

تكتسب دعوة قطر إلى إقامة نظام طاقة عالمي جديد، تكون فيه الطاقة فوق السياسة ولا تتحول إلى ضحية أو هدف لأي صراع، أهمية استثنائية في ظل الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، وما تفرضه النزاعات من مخاطر على الإمدادات والاستثمارات واستقرار الاقتصاد الدولي.

وكان سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لقطر للطاقة، قد طرح هذه الرؤية خلال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض في 11 أكتوبر 2026، داعيًا إلى حماية البنية التحتية للطاقة، وضمان التدفق الحر للإمدادات، وعدم تحويل الطاقة إلى سلاح في الصراعات.

حماية أمن الطاقة العالمي

يرى د. حامد أحمد المرواني- الخبير الاقتصادي أن دعوة قطر، التي طرحها سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لقطر للطاقة، تمثل رؤية اقتصادية مسؤولة تستحق أن تكون أساسًا لتفاهم دولي أوسع. فقد تقع منشأة الطاقة داخل حدود دولة، لكن آثار تعطلها تمتد إلى مصانع وأسواق وأسر في دول كثيرة؛ ولذلك فإن حمايتها مصلحة عالمية تستدعي مسؤولية مشتركة.

ويؤكد د. المرواني ان هذه الدعوة تكتسب وزنًا خاصًا لصدورها عن دولة مؤثرة في سوق الطاقة، تدرك أن مصلحة المنتج على المدى الطويل ترتبط باستقرار اقتصادات المستهلكين. فالارتفاع الحاد في الأسعار قد يحقق إيرادات إضافية مؤقتة، لكنه حين يرهق الأسر ويضعف الصناعة ويبطئ النمو، فإنه يضر بالسوق التي يعتمد عليها المنتج نفسه. ومن هنا، فإن استقرار الإمدادات يحمي طرفَي العلاقة.

ويضيف د. حامد أحمد المرواني - الخبير الاقتصادي قائلا: الدعوة إلى إبقاء الطاقة فوق السياسة لا تفترض غياب الخلافات؛ بل تدعو إلى التزامات مشتركة تُبقي الإمدادات بمنأى عن الخلافات، حتى حين يتعذر حلّها. وهذه واقعية ضرورية، لأن الاقتصاد العالمي لا يستطيع انتظار تسوية كل نزاع حتى تستأنف المصانع إنتاجها وتصل احتياجات الناس إليهم.

وتظهر أهمية هذا النهج في كيفية انتقال صدمات الطاقة إلى الحياة اليومية؛ فتعطّل الإمدادات يرفع تكاليف الوقود والشحن والتأمين، وقد يزيد تكلفة الأسمدة وإنتاج الغذاء، ثم تنتقل هذه الأعباء إلى أسعار السلع والخدمات. وإذا استمرت الضغوط التضخمية، فقد تتأخر تخفيضات الفائدة وتبقى تكلفة التمويل مرتفعة. وهكذا قد ينتهي اضطراب في ممر بحري عبئًا على أسرة أو مشروع صغير يبعد آلاف الكيلومترات عن منطقة الصراع. ويستطرد د المرواني قائلا: الأثر الأعمق أن النزاعات تهدد إمدادات اليوم واستثمارات الغد معًا. فالمستثمر الذي يخشى تضرر منشأته أو تعذّر تصدير إنتاجه قد يؤجل مشروعه أو يطلب عائدًا أعلى لتعويض المخاطر. ولأن مشروعات الطاقة تستغرق سنوات قبل بدء الإنتاج، فإن تأجيل الاستثمار اليوم قد يتحول إلى نقص في المعروض مستقبلًا. لذلك، فإن حماية المنشآت تحمي أيضًا الثقة اللازمة لبناء قدرات إنتاجية جديدة.

ضمان استمرارية الإمدادات

ويرى د. المرواني ان ضمان استمرارية الإمدادات، فيتطلب ترجمة الدعوة القطرية إلى تعاون عملي يمنع التعطّل قدر الإمكان، ويحد من آثاره عند وقوعه، ويسرّع استعادة الإمدادات بعده. ويبدأ ذلك بتفاهمات دولية لحماية المنشآت والناقلات والممرات البحرية، وتعزيز أمنها المادي والسيبراني، وإبقاء قنوات التنسيق بين المنتجين والمستهلكين ودول العبور مفتوحة حتى في أوقات الخلاف.

ويوازي ذلك تنويع مصادر الطاقة ومسارات نقلها، وتوفير مخزونات مناسبة، وتطوير الربط الكهربائي وكفاءة الاستهلاك، مع استمرار الاستثمار. وهنا توجد نقطة أساسية: تعدّد الموردين لا يعني بالضرورة تنويع المخاطر، إذا كانت شحناتهم تمر جميعًا عبر الممر المهدد نفسه. كما أن المخزونات تمنح الدول وقتًا لإدارة الأزمة، لكنها تظل محدودة ولا تعوّض استمرار تعطّل الإمدادات.

ولا يكتمل أمن الطاقة بتوافر الكميات وحده؛ فقد تكون الطاقة متاحة لدى المنتج، لكن مخاطر النقل وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يحدّان من قدرة المستهلك على الحصول عليها بتكلفة مقبولة. ولهذا يجب أن تشمل الحماية سلسلة الإمداد كاملة، من منشأة الإنتاج إلى المستهلك النهائي، لضمان وصول الطاقة بموثوقية وبتكلفة يمكن تحملها واختتم د المرواني الخبير الاقتصادي تصريحاته مؤكدا بان القيمة الاستراتيجية للنهج القطري تكمن في تقديري تكمن القيمة الاستراتيجية للنهج القطري في جعل حماية الطاقة التزامًا مشتركًا يسبق الأزمات ويستمر خلالها. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي نظام طاقة عالمي هو قدرته على إبقاء الكهرباء والمياه والمصانع ووسائل النقل تعمل عندما تشتد الخلافات؛ لأن حياة الناس ومصالحهم لا يمكن تعليقها إلى أن تنتهي الصراعات.

ركيزة أساسية لاستقرار التجارة

ومن جانبه قال الدكتور عصام عبد الشافي الخبير في العلاقات الدولية تُعتبر حماية المنشآت والممرات البحرية ركيزة أساسية لاستقرار التجارة العالمية وأمن الطاقة والاقتصاد الدولي، والمفترض أن هذه الحماية تتم عبر منظومة متكاملة من القواعد القانونية، والآليات العملياتية، والأدوار التي تضطلع بها المؤسسات الدولية، عبر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تُعد الركيزة الأساسية للقانون الدولي هذا الإطار، حيث تنظم حقوق الدول في المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وتضمن مبدأ حق المرور العابر في المضائق الدولية بما لا يخل بأمن الدول الساحلية، واتفاقية سلامة الأرواح في البحر والتي تضع معايير دولية لسلامة السفن وتأمين الملاحة، والمدونة الدولية لأمن السفن والمرافق المينائية، والتي تضع إطاراَ تعاونياً بين الحكومات والسلطات المحلية وقطاع الشحن للكشف عن التهديدات الأمنية واتخاذ التدابير الوقائية في الموانئ والمنشآت البحرية.

ويستطرد د. عبد الشافي قائلا: في إطار هذه البنية التشريعية تتعدد آليات المراقبة والإنذار المبكر، مثل أنظمة التتبع والتعريف الآلي لمراقبة حركة السفن ورصد أي تحركات مريبة أو خروج عن الممرات المعتمدة، ومراكز تبادل المعلومات الإقليمية والدولية، والشبكات إقليمية لتبادل البيانات الاستخباراتية والتحذيرات السريعة حول القرصنة، أو التهديدات السيبرانية، أو الهجمات غير المعروفة، والدوريات البحرية الدولية لحماية خطوط الملاحة، وكذل الصناديق الائتمانية مثل الصندوق الذي أنشأته المنظمة البحرية الدولية لمضيقَي مالقا وسنغافورة لصيانة خطوط الملاحة وتطوير البنية التحتية.

لكن للأسف الشديد كل هذه الآليات تفقد الكثير من قيمتها ومن جدواها وكفاءتها وفاعليتها تحت وطأة الصراعات الدولية والإقليمية، وتجاهل أطراف هذه الصراعات للبنية القانونية والتشريعية، بل واستهداف البنى التحتية لخدمات الطاقة، وبالتالي تكتسب دعوة قطر إلى إقامة نظام طاقة عالمي جديد، تكون فيه الطاقة فوق السياسة ولا تتحول إلى ضحية أو هدف لأي صراع، أهميتها في ظل تصاعد حدة هذه الصراعات، والتي تضررت منها معظم دول العالم، وخاصة في ظل اعتبار منطقة الخليج هي الشريان الرئيس للنفط والغاز في العالم، وكانت قطر من أكثر الأطراف تضررًا، نظرًا لاعتماد اقتصادها بدرجة مركز ية على صادرات الغاز الطبيعي والمسال. ويرى د عصام عبد الشافي بان هناك صعوبة حقيقية أن تجد دعوة قطر صدى كبير في ظل غياب الحدود الدنيا من التوافق السياسي بين الأطراف المتصارعة، وأن الأمر لا يقف عند حدود المطالبة ببناء نظام طاقة عالمي جديد، ولكن ببناء نظام دولي جديد، وبناء تنظيم دولي جديد أكثر عدلًا واستقرارًا من هذا النظام المتداعي الذي كانت لسياسات الهيمنة الأميركية تداعيات كارثية عليه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وحتى الآن.

بناء نظام عالمي للطاقة

ويضيف الخبير في العلاقات الدولية د. عبد الشافي: قائلا حتى يتم توسيع أطر دعوة دولة قطر لبناء نظام عالمي للطاقة، يجب العمل على مجموعة من الإجراءات الانتقالية لضمان استمرارية إمدادات الطاقة في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي من خلال تنويع مصادر ومسارات الطاقة، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، وتعزيز البنية التحتية لحمايتها من الهجمات المختلفة، وتطوير خطوط أنابيب بديلة، وموانئ جديدة لتصدير الغاز الطبيعي المسال، وممرات بحرية آمنة لتفادي نقاط الاختناق الجيوسياسية (مثل المضايق البحرية)، وبناء تحالفات دولية لتأمين خطوط النقل والإمداد، وبناء شراكات استراتيجية مرنة تقوم على المصالح المشتركة بين الدول المستهلكة والمنتجة، وتعزيز دور دولة قطر في عمليات الوساطة لتهدئة الصراع في منطقتي الخليج العربي والبحر الأحمر باعتبارهما يتحكمان في أهم منفذين لصادرات الطاقة في العالم المعاصر (هرمز وباب المندب).

ويرى د. عبد الشافي في ظل السياقات الراهنة، من المهم التفكير في توقيع اتفاقيات تعاون أمني ثنائية لحماية منشآت الطاقة وبنيتها التحتية بين دولة قطر وإيران، وخاصة أن الدولتين ترتبطان ارتباطًا استراتيجيًا في أهم حقول الغاز في العالم الذي يقع في المياه الإقليمية لهما وهو حقل غاز الشمال، وأن تنص هذه الاتفاقيات على التأمين المشترك لهذه المنشآت وعدم تعريضها لأي عدوان، وأن يمتد نطاق هذا التأمين لحماية خطوط النقل ومساراتها الرئيسية.

أمن الطاقة مسؤولية دولية مشتركة

تؤكد الرؤية التي طرحتها قطر أن أمن الطاقة لا يمكن التعامل معه باعتباره قضية تخص الدول المنتجة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة تشمل المنتجين والمستهلكين والحكومات والمؤسسات الدولية.

فأي اضطراب كبير في إنتاج النفط أو الغاز أو نقله لا يقتصر تأثيره على الدولة التي تتعرض منشآتها للاستهداف، وإنما يمتد إلى أسعار الوقود والكهرباء، وتكاليف النقل والصناعة، ومعدلات التضخم، والقدرة الشرائية للأفراد.

وفي كلمته، أشار سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي وزير الدولة لشؤون الطاقة إلى أن الصراع الإقليمي حدّ من تدفق نحو 20% من إمدادات الهيدروكربونات العالمية، محذرًا من الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة والتقلبات الحادة في الأسواق.

حماية منشآت الطاقة

يرى التحليل الاقتصادي أن حماية منشآت إنتاج النفط والغاز ومحطات التسييل وخطوط الأنابيب والموانئ تمثل ركيزة أساسية لأمن الإمدادات. فاستهداف هذه المنشآت لا يهدد الإنتاج فحسب، بل قد يؤدي إلى خسائر استثمارية طويلة الأجل ويزيد صعوبة تعويض الكميات المتضررة.

استقرار الإمدادات

لا تستفيد الدول المنتجة من ارتفاع الأسعار الناجم عن الأزمات بالضرورة؛ إذ قد تقابل مكاسب الأسعار خسائر في الإنتاج والصادرات والاستثمارات، بينما تتحمل الدول المستهلكة ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج. لذلك، فإن استمرارية الإمدادات أكثر استدامة من المكاسب المؤقتة التي قد تفرضها الأزمات.

تسييس الطاقة

يؤدي عدم اليقين الجيوسياسي إلى زيادة مخاطر الاستثمار وتكاليف التأمين والنقل والتمويل، كما يدفع الشركات إلى إعادة تقييم مشروعاتها طويلة الأجل. ومن ثم، فإن إبعاد إمدادات الطاقة عن الصراعات يمكن أن يعزز الثقة في الأسواق ويشجع الاستثمارات اللازمة لتلبية الطلب المستقبلي.

البعد الإنساني لأمن الطاقة

شدد وزير الدولة لشؤون الطاقة على أن تداعيات اضطرابات الطاقة تتجاوز الأسواق، مشيرًا إلى أن نحو مليار شخص حول العالم يفتقرون إلى إمكانية الحصول على الكهرباء، وأن قرابة أربعة مليارات يعتمدون على أغذية تُنتج باستخدام الأسمدة الكيماوية. ويبرز ذلك الصلة الوثيقة بين الطاقة والأمن الغذائي والتنمية الاجتماعية.

الدعوة تمثل أهمية خاصة

تتمتع قطر بمكانة بارزة في سوق الغاز الطبيعي المسال، وترتبط صادراتها بعقود وأسواق في آسيا وأوروبا. ولذلك، فإن استقرار الممرات البحرية وحماية منشآت الإنتاج والتصدير يمثلان عنصرين أساسيين لاستمرارية دورها في تلبية الطلب العالمي.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة دعوة قطر باعتبارها طرحًا يتجاوز المصالح الوطنية المباشرة، ويؤكد أن حماية الطاقة مسؤولية دولية، وأن استقرار الأسواق يتطلب تعاونًا بين الدول المنتجة والمستهلكة، بعيدًا عن منطق استخدام الإمدادات الاقتصادية وسيلةً للضغط السياسي.

نظام طاقة عالمي جديد

يتطلب تحقيق هذه الرؤية الانتقال من المبادئ العامة إلى خطوات عملية، من أبرزها:

تعزيز الحماية الدولية للبنية التحتية للطاقة خلال النزاعات، والحد من استهداف المنشآت المدنية والحيوية.

ضمان حرية الملاحة وسلامة الممرات البحرية التي تمر عبرها شحنات النفط والغاز.

تطوير آليات للتنسيق بين المنتجين والمستهلكين لتبادل المعلومات بشأن المخاطر والإمدادات والاحتياجات المستقبلية.

تعزيز مرونة سلاسل الإمداد من خلال تنويع مصادر التوريد وتطوير مرافق التخزين وخطط الطوارئ.

حماية الاستثمارات طويلة الأجل من تقلبات السياسات والإجراءات التي تزيد عدم اليقين في الأسواق.

تفعيل دور المؤسسات الدولية في الحوار وتسوية النزاعات والتعاون لحماية المصالح الاقتصادية والإنسانية المشتركة.

نقاش دولي مهم

تؤسس الدعوة القطرية لنقاش دولي مهم حول طبيعة العلاقة بين الطاقة والسياسة، وتطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للعالم ضمان استمرارية إمدادات الطاقة في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي؟

إن الرسالة الأساسية هي أن أمن الطاقة لا ينبغي أن يكون رهينة للصراعات، وأن حماية المنشآت والممرات البحرية واستقرار الاستثمارات ليست مصالح منفصلة، بل عناصر مترابطة في منظومة الاقتصاد العالمي.

فالعالم لا يحتاج فقط إلى إنتاج المزيد من الطاقة، بل يحتاج أيضًا إلى نظام دولي يضمن وصولها بأمان واستقرار وعدالة. ومن هنا، تبرز أهمية الدعوة القطرية إلى نظام طاقة عالمي جديد، يجعل التعاون أساسًا لأمن الإمدادات، ويحمي الطاقة من أن تتحول إلى أداة للصراع بدلًا من أن تكون محركًا للنمو والتنمية.