لا أحد يخفى عليه الدور الكبير الذي باتت تلعبه وكالات التصنيف الائتماني التي أصبحت جزءاً أساسياً في السوق المال العالمي.
ولما كان الهدف من هذه الوكالات هو تقييم المخاطر الائتمانية للشركات والحكومات التي تسعى للحصول على قروض وإصدار أوراق مالية ذات دخل ثابت مثل الصكوك والسندات، بالتالي فإن الاعتماد على هذه الوكالات جعلها محل تساؤل لدى كثيرين، البعض يرى بأنها تصنيف يخضع لحسابات سياسية وآخرون يتهمونها بأنها تصنف الدول والمؤسسات وفقاً لرغبات الدول.
في الوقت الذي بدأت فيه مجموعة من المصارف الخليجية تقوم بدراسة إعداد مسودة مشروع مشترك لتأسيس وكالة تصنيف ائتماني للمؤسسات والمنتجات السيادية لدول الخليج.
الخطوة وإن جاءت متأخرة كما يرى مراقبون الا أنها تواجه تحديا كبيرا وهو سيطرة كبريات وكالات التصنيف الدولية مثل (موديز وستاندرد اند بورز وفيتش) أو ما يسمى بالثلاثة الكبار على سوق التصنيفات الائتماني الدولي وغيرها من العوامل الأخرى.
لوسيل تحاول عبر هذا الملف معرفة مدى نجاعة هذه الخطوة وايضاً فرصة لمناقشة اداء وكالات التصنيف الدولية في تقييم المؤسسات والمنتجات المالية في الخليج، ودورها في الأزمات العالمية السابق ومعايير تصنيفها وغيرها من الأسئلة التي نحاول الإجابة عليها في التحقيق التالي:
اتهامات كبيرة
اتهامات وشكوك كثيرة تثار حول هذه الوكالات خاصة وان ثلاث وكالات امريكية هي التي تحتكر سوق التصنيف الدولي، الأمر الذي جعل مجموعة من البنوك الخليجية تطرح مبادرة لانشاء وكالة تصنيف عربية حتى تقوم بتقييم وتصنيف المؤسسات المالية والدول الخليجية لضمان الحيادية في التصنيف.
ومن ضمن الاتهامات التي يوجهها المنتقدون لوكالات التصنيف العالمية انها منحت بعض الدول تصنيفات ائتمانية عالية مع أنها تعاني من مشاكل اقتصادية عميقة، إلى جانب منحها مؤسسات مالية تصنيفات عالية لا تتناسب وقوة جدارتها الائتمانية، وشدد خبراء على حق دول في مجلس التعاون الخليجي مثل السعودية في الحصول علي تصنيف عال خاصة وان سجلات النمو لديها جيدة وبعيدة عن المخاطر والازمات.
أكثر من ذلك قامت العديد من هذه الدول بخطوات استباقية وانشأت بالفعل وكالات تصنيف خاصة بها مثل ألمانيا وكندا وغيرها. لوسيل تحاول مناقشة دور وكالات التصنيف الائتمانية في سوق المال العالمي ومعرفة إلى أي مدى ستنجح المبادرة الخليجية في انشاء وكالة تصنيف عربية تنافس المؤسسات الدولية.
لماذا وكالات التصنيف؟
لمعرفة كيفية عمل هذه الوكالات علينا أولاً أن نعرف لماذا انشأت هذه الوكالات. فهي وحسب تعريفاتها تم انشاؤها بناء على حاجة المستثمرين والمقترضين إلى مصدر معلومات وثقة بينهم عن مستوى المخاطر في إقراض الشركات والافراد. مما أدى إلى إنشاء أول وكالة تصنيف ائتماني في العام 1909 موديز لتنتشر هذه الوكالات بشكل كبير في تسعينيات القرن الماضي لتبلغ نحو 150 وكالة، الا أن ابرزها هي 3 وكالات عالمية امريكية وهي ستاندرد آند بورز وفيتش وموديز، بالرغم من أن تصنيف داغونغ الصيني ظهر إلى السطح في الاونة كمنافس لهذه الوكالات.
ويتمثل دور وكالات التصنيف الائتماني في تقليص ما يصطلح عليه الاقتصاديون بـ تباين المعلومات بين المقترضين والمستثمرين، من خلال تزويد الأسواق المالية بمعلومات عن جودة الديون التي يتم إصدارها ومخاطر عدم وفاء المدينين بالتزاماتهم. وتسمح هذه المعلومات للمستثمرين باتخاذ قراراتهم بشأن الاستثمار من عدمه في سندات الديون التي تصدرها الجهات الراغبة في الاقتراض.
معايير صارمة يجب أن يتم من خلالها التصنيف يجب أن تضع في الحسبان، وحسب رأي تورشتن هينريش المدير التنفيذي لوكالة (سكوب) للتصنيف الائتماني الالمانية في افادته لـ لوسيل ، فإن التصنيف يجب أن يقوم على مبدأ الشفافية والمنهجيات العامة ويجب أن تكون هذه التصنيفات متسقة وقابلة للمقارنة، وبهذه الطريقة لن يكون هناك أحد قادر على التأثير في عملية التصنيف.
وفي هذا الاطار وحسب رأي هينريش ان وكالة التصنيف يجب أن تجمع وتحلل جميع المعلومات المتاحة والتأكد من أن المعلومات التي بحوزتها يمكن الاعتماد عليها في اداء عملها. وفي حالة وجود أي شك على وكالة التصنيف أن تخفض مدى الاعتماد عليها لإصدار التصنيف.
المبادرة الخليجية
دول الخليج اقتحمت المسار، وذلك باعلان مجموعة من المصارف الخليجية سعيها لاعداد مسودة مشروع مشترك لتأسيس وكالة تصنيف ائتماني للمؤسسات والمنتجات السيادية لدول المنطقة، مشيرة إلى أن الخطوة تأتي في ظل اخفاق وكالات التصنيف الائتماني الدولية في تقدير القيم الحقيقية لأوضاع الديون السيادية والصناديق الائتمانية الصادرة عن المؤسسات المالية الكبري بالمنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج علي وجه الخصوص.
يرى الدكتور كامل حسن إبراهيم الخبير الاقتصادي الذي تحدث من مقر اقامته في البحرين لـ لوسيل بأن تأسيس الوكالة العربية بالمنطقة مربوط بعدة عوامل أهمها تقوية دور الوكالة الاسلامية للتصنيف (التي مقرها البحرين)، عبر تأكيد اعتماديتها بعد أن امتلكت قدرات وامكانيات فنية كبري، الأمر الذي يخولها لتلعب دورا أكبر في تصنيف المنتجات المالية بالمنطقة.
ويشترط الخبير الاقتصادي البحريني ضرورة ثقة هذه الدول في هذه الوكالة الوليدة حتي تقوم بدورها المنوط بها وبدقة تامة، كما أن التصنيف الائتماني يرتبط ايضاً وفقاً لوجهة نظر الدكتور بالقوة الاقتصادية العربية ولابد من دراسة العملة الخليجية الموحدة.
ويضيف الدكتور ابراهيم أن دول المنطقة بامكانها أن تعمل على تأسيس وكالة او وكالات مشتركة تعمل بالتعاون مع الوكالات العالمية بحيث تركز علي المنتجات المالية والمؤسسات السيادية لدول المنطقة عبر وضع أسس ومعايير محددة تتوافق وطبيعة دول مجلس التعاون الخليجي واقتصاديات المنطقة. خاصة وان دول مجلس التعاون تنتهج اقتصادات متنوعة تقوم على تنويع الدخل والاقتصاد القائم علي المعرفة ونجد أن هذه المساعي واضحة في كل من قطر والسعودية والبحرين والإمارات والكويت وعمان.
التنوع الاقتصادي
وشدد ابراهيم على أن نهج دول مجلس التعاون الخليجي في الاتجاه نحو سياسة اكثر اعتماداً على الاقتصاد المتنوع القائم علي المعرفة يحتم علي هذه الدول تبني هذه المبادرة والدفع بها الي الامام، خاصة وان الكثير من الانتقاد الذي صاحب وكالات التصنيف الدولية وما نتج عنه من ازمات في الاعوام الفائتة، مشيراً إلى أن دول الخليج يمكنها تلافي ما حدث من اخطاء في ازمة الرهن العقاري والازمة المالية وما تلاها من ازمات.
وشدد ابراهيم على أهمية وضع معايير واضحة تتفق عليها دول التعاون وتراعي ظروف المنتجات والمؤسسات المالية بدول مجلس التعاون وخصوصية المنطقة، ولابد من الاتفاق عليها بشكل صارم وتكون مدعومة بشكل قوي بقرار من زعماء دول مجلس التعاون فيما يخص قيام وكالة تصنيف عربية.
وقت مناسب
الخبير الاقتصادي البحريني دكتور ابراهيم يرى ان الوقت مناسب جداً وليس متأخراً لهذه الخطوة الكبيرة من دول التعاون، خاصة وان هذه الدول تتوجه الان بشكل كبير لسوق السندات والصكوك مما يجعلها تحتاج لقيام وكالة عربية تقيم منتجاتها ومؤسساتها المالية الان أكثر من اي وقت مضي، ويمكنك مطالعة الاخبار تجد تصنيفات المنتجات المالية في وكالات التصنيف كما ان قطر تدرس طلبات من مؤسسات التصنيف العالمية لفتح فروع لها بقطر من خلال وكالات محلية.
واضاف ابراهيم ان الحاجة لهذه الوكالة في السابق ضعيفة لعدم توجه دول التعاون لسوق الدين نظراً للاحتياطي النقدي الكبير لهذه الدول من العائدات الهيدروكربوينية، ولكن في ظل التباطؤ العالمي وانخفاض أسعار النفط فإن توجه هذه الدول لسوق السندات لسد العجز المالي يحتم عليها التفكير في مثل هكذا مبادرات.
أزمة الرهن العقاري
يعد تقرير ستجليتز من أكبر الصفعات التي تلقتها وكالات التصنيف الائتماني، والتقرير الذي اعدته لجنة (ستجليتز) لاصلاح المنظومة النقدية والمالية الدولية بطلب من الأمم من المتحدة في 2009 بعد الازمة المالية العالمية، اشار بشكل واضح إلى مشكلة استقلالية وكالات التصنيف الائتماني وإلى تضارب المصالح الذي يطبع نموذجها الاقتصادي الحالي.
ويعتبر التقرير أحد الانتقادات الكبيرة التي تعرضت لها هذه الوكالات خاصة بعد ازمة الرهن العقاري في امريكا والازمة المالية العالمية في 2008، وأشار كثير من الاقتصاديين إلى مسؤوليتها المباشرة في تفاقم هذه الازمة بسبب تضليلها المستثمرين بمنح درجات تصنيف عالية (AAA) لمنتجات مالية ذات جودة رديئة ونسبة مخاطرة عالية، الأمر الذي أدى لكسب ثقة المستثمرين في هذه المنتجات وجذبهم اليها.
وبالنتيجة أدى ذلك الي مزيد من الرهون العقارية الرديئة على اشخاص لا يتوفرون على ملاءة ائتمانية جيدة الامر الذي خلق فقاعة عقارية ادت في نهاية المطاف لتكاثر العاجزين عن السداد وظهور ازمة الرهن العقاري في وقتها وانهارت الاسعار وأعلنت العديد من المؤسسات افلاسها.
تململ عالمي
يبدو أن الكثير من الدول والمناطق في العالم بدأت تتململ وتبدي عدم ارتياحها من اداء وكالات التصنيف الدولية خاصة الثلاثة الكبار (ستاندرد اند بورز وموديز وفيتش)، فمثلاً نجد أن المانيا اختارت ان تؤسس وكالة تصنيف خاصة بها، وفي هذا الاطار اعلن تورشتن هينريش التي يعتبر المهندس الرئيسي لتعزيز سوق أوروبية، تأسيس وكالة تصنيف ائتماني المانيا باسم (scoop rating). واعتبر هينريش ان الطلب على دراسات بديلة للتصنيف الائتماني كبير جداً منذ فترة قليلة .
وكذلك دخلت مؤسسة (DBRS) الكندية في الصراع باعتزامها العام الماضي تغطية نحو 19 دولة خلال 3 سنوات كحد أقصى من بينها السعودية في تحد واضح لهيمنة الثلاثة الكبار. وقال فيرجوس مكورميك رئيس التصنيفات السياسية في DBRS ان المؤسسة ستضيف دول الاتحاد الاوروبي ومجموعة العشرين لتزيد قائمتها التي تضم 37 من المقترضين السياديين ومتعددي الجنسيات بأكثر من 50%.
وفي أوروبا ايضاً حصلت نحو 26 وكالة للتصنيف الائتماني على تصاريح من السلطة الاوروبية للاسواق المالية بينها الفرنسية سبريد ريسيرتش والكندية دي بي آر اس والإيطالية كريف والاسبانية اكزيسور مما يوسع سوق الوكالات ويحد من الاحتكار.
مقاضاة موديز
كشفت تقارير اعلامية مطلعة مؤخراً بأن وزارة العدل الامريكية قد ترفع دعوى قضائية ضد وكالة موديز للتصنيف الائتماني بسبب قرارات تصنيف ائتماني خاصة بسندات واوراق مالية أخرى أصدرت قبل أزمة سوق الاسكان أو ما عرف بالرهن العقاري في 2008.
وذكرت الوكالة أن أمريكا تخطط لمقاضاتها بسبب مزاعم ارتكاب مخالفات تتعلق بتصنيفات ائتمانية خاطئة لسندات رهن عقاري وأوراق مالية أخرى وأفادت بأن عدة ولايات تسعى لرفع دعاوى ضدها أيضاً.
دور متوازن
على الرغم من موجة الانتقادات التي بدأت تلاحق وكالات التصنيفة الا أن احداً لا ينكر الدور الكبير الذي لعبته في تقييم جاذبية الصكوك والسندات الحكومية والخاصة، حيث يتغير الإقبال المحلي والعالمي بشكل أكبر على شراء الصكوك من عدمه أو ترتفع معدلات الفائدة أو تنقص قياساً على درجة التصنيف الممنوح للجهة المصدرة.
وتعد قدرة المصدر على الوفاء بتسديد فوائد الدين والأقساط المترتبة عليه أهم مؤشر للجدارة الائتمانية التي تبنى عليها التصنيفات من قبل الوكلات. ويؤثر التصنيف الائتماني لمؤسسة او دولة على أسعار أسهمها أو أسواق مال تلك الدولة سلبا أو إيجابا.
وما زالت المؤسسات الثلاثة تتصدر مشهد التصنيفات في العالم، وتعتبر موديز مثلاً أحد أهم وكالات التصنيف الائتماني في العالم من حيث رقم مبيعاتها وحصتها في السوق، بجانب أنها اقدم مؤسسة عملت في هذا المجال.
فيتش ترد
جون فيدريك مكتب وكالة فيتش في هونغ كونج قال لـ لوسيل ، إن فيتش لديها بصمة قوية في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد أن انشأت مكتباً بدبي في 2006، مضيفاً، ان الوكالة لديها التزام تجاه المستثمرين والمصدرين النشطين في هذا المجال على المستويين المحلي والعالمي الذين يقدرون آراءنا المستقلة والثاقبة .
واضاف فيدريك أن فيتس لديها محفظة تصنيفات تضم أكثر من 100 من الجهات المصدرة ونحو 70 برنامج اصدار سندات دين وصكوك في 10 دول في منطقة الشرق الأوسط بمختلف القطاعات تشمل البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية والشركات وتمويل المشاريع والبنية التحتية والمؤسسات فوق القومية والسيادية.
وفي سؤال لـ لوسيل حول مدى نجاعة المبادرة التي اطلقتها البنوك الخليجية تجنب فيدريك الاجابة على هذا السؤال، مؤكدا أن حصة فيتش في الشرق الأوسط تعتبر رائدة في عدة دول مثل قطر والكويت والسعودية مضيفاً أن فيتش تصنف البنوك الاسلامية بشكل أكبر من وكالات التصنيف الدولية الأخرى.
أكثر من ذلك يرى فيدريك ان فيتش هي الوكالة الدولية الوحيدة التي تقوم بتقييم الاتحاد للطيران فضلاً عن العديد من الجهات البارزة في المنطقة مضيفاً بأن الكثير من هذه المؤسسات أصدرت سندات دين بالعملة الصعبة عن طريق تصنيف فيتش فقط.
وبالسؤال عن الوكالة العربية المزمع قيامها في المنطقة ومدى منافستها للثلاث الكبار أو الوكالات الاقليمية يقول فيدريك ، إن فيتش تؤمن بقوة بالمنافسة في هذا المجال، خاصة وان الاسواق تستفيد من تنوقع الآراء الائتمانية. وأكد فيدريك أن أهم نقطة يجب الاشارة اليها هنا هو وجود فرص متكافئة للجميع، ويجب على كل وكالة تصنيف تأسيس سمعتها من خلال الاستقلالية وإدارة تضارب المصالح.
تعريفات
ويُقصد بـ الجدارة الائتمانية مدى قدرة الجهات الراغبة في الاقتراض على الوفاء بالتزاماتها وسداد ديونها لمستحقيها في الآجال المتعاقد عليها.