العمل الجماعي.. عملية تنظيمية تؤدي إلى الريادة والنجاح في مجتمع الأعمال

لوسيل

القاهرة - أحمد طريف

العمل الجماعي في مؤسسات الأعمال يعد أحد أهم عوامل التقدم داخل الشركات والمساعد الرئيسي في تحقيق المكانة المتميزة بين عالم المؤسسات في ظل درجة التنافس الشديدة التى يشهدها مجتمع الأعمال العالمي.

وللعمل الجماعي قوانين تحكمه ولا يمكن بحال الخروج عليها لاعتبارات اقتصادية هامة أهمها تحقيق الأهداف قصيرة وطويلة الأجل وصولا إلى الهدف الكبير للشركة أو لمنظمة الأعمال.

هذا هو ما حاول المؤلف جون سى ماكسويل تلخيصه فى كتابه الذي يحمل عنوان قوانين العمل الجماعي سبعة عشر غير قابلة للجدال ، وتحدث فيه المؤلف عن العمل الجماعي بقوله: أُجريت الكثير من البحوث والدراسات حول موضوع محددات النجاح والفشل في عمل الجماعات والفرق والمؤسسات والمنظمات فوجدت أن الأمر يمتد ويتشعب ليغوص في مجالات العلوم الإنسانية وكان السؤال هو: ما الذي يجعل فريقًا قادرًا على الإنجاز بينما يعجز فريق آخر؟ فكثيرا ما نجد فرق عمل تعمل بنشاط إلا أنها تفشل في النهاية، بينما قد تنجح بعض الفرق التي لم تبذل كل ما لديها من جهد وموارد فهل تتدخل المصادفة في النجاح والفشل؟ أم هل هناك فرق عمل وجماعات مصيرها النجاح مهما أخطأت، وفرق أخرى مصيرها الفشل مهما أتقنت؟

قوانين النجاح

يبدأ ماكسويل في عرض قوانين نجاح العمل الجماعي، والتي نستعرض بعضا منها فيما يلي:

أولا: قانون اضمحلال أسطورة الفرد.. ولتفسير ذلك طرح الكاتب سؤالا هو: من أعظم الأفراد إنجازا، من وجهة نظرك؟ هل تعتقد أنهم من الرياضيين أم من الفنانين أم من المحاربين أم من المبتكرين؟

وللإجابة قال: قد تعتقد أن كل واحد من هؤلاء قد أنجز وحده ما عجزت عنه أقوى الجماعات وأقوى الفرق في العالم والحقيقة أن هذا الانطباع غير سليم فمن الخطأ الاعتقاد بأن أيا من هؤلاء العظماء قد أنجز ما أنجزه بمفرده بل من المرجح أنه قد اعتمد على فريق عمل من وراءه. فهناك مثل صيني شائع يقول: وراء كل رجل عظيم فريق عظيم ، فالاعتقاد بأن فردًا واحدًا يستطيع بمفرده أن ينجز عملا مهمًا هو محض أسطورة. إلا أنه من مدعاة الأسف أن السائد لدينا هو التركيز على الأفراد، ونسيان الجماعات وفرق العمل التي تعمل من ورائهم لتحقيق نجاحهم.

وبالرغم من أن فريق العمل هو المسؤول الأول عن تقدم الدول والصناعات، إلا أن الكثيرين لا يزالون متمسكين بالفكرة الخاطئة التي مفادها أن الفرد يستطيع بمفرده أن ينجز ما هو أكبر من الفريق أو المجموعة، ظنًا منهم أن الجماعة قد تشتت تركيز الفرد وتعيقه عن بلوغ هدفه، إلا أنه لابد أن نتيقن بأن الهدف الذي لا يتفق عليه أكثر من فردين لا يستحق التحقيق والهدف الذي يتفق عليه أكثر من عشرة أفراد يصبح أولى بالتحقيق من هدف يتفق عليه تسعة أفراد. أما لماذا لا يزال هناك أفراد لديهم الرغبة في الانفراد والعزلة، فذلك نتيجة للآتى:

1ـ مصيدة الغرور:

فالغالبية العظمى من الناس يعتقدون أن بإمكانهم أن يفعلوا ما يريدون بمفردهم، بينما يندر أن تجد من الناس من يعترف صراحة بحاجته لفريق عمل لإنجاز ما يريد تحقيقه. وفي هذا الصدد يقول أندور كارنيجي: يعتقد الطفل دائما أن بمقدوره فعل أشياء كثيرة رغم أنه في حالة قصوى من الضعف والهوان؛ أما الشخص الناضج فهو الذي يستطيع أن يدرك أنه بحاجة للآخرين دون أن يجد في ذلك ضعفًا منه أو هوانًا .

2ـ مصيدة الخوف:

السبب الرئيسي وراء إحجام الكثيرين عن العمل داخل فريق عمل هو الخوف من منح التفويضات لأعضاء الفريق، وفقدان السيطرة على كل الأمور. فكثير من المديرين يحبون أن يستحوذوا لأنفسهم على كل أسرار العمل، وكلما زاد ضعف المدير زاد خوفه من فقدان سيطرته على الأمور إذا ما سمح لفريق عمل بمساعدته.

3- قلة الطموح:

إذا استعرضت غالبية القرارات الخاطئة التي اتخذتها، وغالبية التصرفات السيئة التي ارتكبتها فستجد أنها تشترك في شيء واحد، وهو: أنك قمت بها بمفردك لكنك إذا نظرت إلى أغلب القرارات السليمة التي اتخذتها، وغالبية التصرفات الحسنة التي فعلتها فستجد أنها تشترك في شيء واحد، وهو: أنك قمت بها داخل فريق.

ثانيا: الهدف الجماعي

يجب أن يتمتع أعضاء الفريق بالقدرة على رؤية الهدف الجماعي، قبل عقد العزم على تحقيقه. فإذا عجزوا عن رؤية الهدف الجماعي أولا فلن يتمكنوا من الوصول إليه بل ستبرز أهدافهم الشخصية كعوائق أمام تحقيق الهدف الجماعي.

الهدف الجماعي أهم من الهدف الشخصي:

ثالثا : النجاح الجماعي

على مر العصور حاول علماء الاجتماع والباحثون وضع نظريات لتفسير قانون النجاح الجماعي فكانت هناك نظريتان. الأولى: تحاول تفسير ظاهرة النجاح والفشل الجماعي باللجوء إلى تأكيد أفضلية بعض الخصائص الجينية والسمات الذاتية التي تتمتع بها بعض السلالات البشرية أو الجماعات أو الفرق على غيرها.

والنظرية الثانية: تلجأ إلى تفسير النجاح والفشل اعتمادًا على خصائص البيئة المحيطة بالجماعات والفرق، فترى أن بعض الظروف البيئية تدفع بالجماعة نحو إحراز النجاح وتحقيق مزيد من الإنجاز؛ بينما يفشل الآخرون ممن لا يجدون مثل هذه الظروف البيئية المواتية متوفرة حولهم. ولكن تعجز مثل هذه النظريات الجينية والبيئية عن تفسير كيف أن بعض الجماعات والفرق التي تعمل في نفس الصناعة والمجال، بل ونفس المؤسسات، تنجح في مرحلة ما بينهما قد تفشل في مراحل تالية وتقصر عن تحقيق نفس المستوى السابق من التقدم.

أما النظرية الثالثة: ونظرا لضعف النظريتين السابقتين ظهرت نظرية بديلة وهي مقتبسة من نظرية التحدي والاستجابة لأرنولد توينبي، الذي قال: إن الإنجاز يحدث عندما تسرع الجماعة وتنتفض لتقاوم أحد الظروف البيئية الاستثنائية التي تتحداها وترهبها من خلال زيادة نشاطها وجهدها، فتكون النتيجة أن تنشط الجماعة وتتولد فيها طاقة أكبر من المتوقع؛ فتتمكن من مواجهة التحديات، والتغلب على المعوقات أكثر من غيرها أما الجماعات التي تفشل فهي تلك التي لا تجد ما تتحداه، ولا تجد ما تحشد قواها في مواجهته.

النظرية الرابعة: وهناك نوع رابع من النظريات يفسر النجاح والفشل الجماعي بأسلوب اقتصادي ويستخدم مصطلح العائد/التكلفة لتفسير تحركات الجماعات فيقول إن كل القرارات والتصرفات التي تصدر عن الجماعة تتم بوعي تام وإدراك كامل للتوابع الإيجابية والسلبية لهذا القرار أو التصرف. وبناء على ذلك فإن الفريق الذي ينجح يكون هو صاحب القرار الذي يدر أكبر عائد بأقل تكلفة، بينما الفريق الذي يفشل هو صاحب القرار الذي يجلب أكبر تكلفة وأقل عائد.

ومع مثل هذا القصور فى النظريات المفسرة للنجاح والفشل، يمكننا أن نستنتج أن العوامل الأساسية في التقدم والتخلف ليست عوامل جينية ولا سلالية ولا بيئية ولا اقتصادية بل من المرجح أن تكون عوامل نفسية واجتماعية وروحية.

رابعا: قانون قمة إيفرست

تعتبر قمة إيفرست أعلى قمم الأرض، وهي من أكثرها استعصاء على التسلق. يعلمنا استعراض قصص النجاح والفشل في تسلق قمة إيفرست أنه كلما زادت درجة مشقة المهمة زادت الحاجة لفريق العمل. فجميع الحالات التي حدثت فيها محاولات لتسلق القمة بشكل منفرد أدت إلى موت صاحبها. أما الحالات التي نجحت في التسلق فهي تلك التي تمت بواسطة الفرق والجماعات. والدرس الذي نتعلمه من ذلك أنه يجب على الفرد ألا يقدم على القيام بأي محاولات ذات طابع خطير بشكل منفرد، بل يتوجب عليه أولا تكوين فريق أو جماعة لهذا الغرض.

خامسا: قانون اختيار الفريق قبل الطريق

إذا كان الحلم في حجم قمة إيفرست فلا تقدم عليه وحدك، بل كون فريقا لتحقيقه. فلا يكفي أن يكون لديك حلم طموح ولا رؤية واضحة. بل لابد أن يكون لديك فريق عمل صالح معادل لطموح حلمك، وإلا قادك إلى حتفك.

ويختلف نوع الفريق الذي تحتاج إليه باختلاف المهمة أو الحلم الذي تبغي تحقيقه:

فإذا كانت مهمتك جديدة فأنت تحتاج إلى فريق مبتكر وإذا كان حلمك يحتوي على تحد ومواجهة فأنت تحتاج إلى فريق متماسك ومتآزر وإذا كانت مهمتك ذات طابع متغير فأنت تحتاج إلى فريق مرن وسريع وإذا كانت مهمتك طويلة الأجل فأنت تحتاج إلى فريق ذي إصرار وعزيمة وإذا كان حلمك يحوي مهام متنوعة ومختلفة، فأنت تحتاج إلى فريق متكامل وإذا كانت مهمتك خطيرة فأنت تحتاج إلى فريق جريء.

سادسا: قانون الحلقة الضعيفة

قوة أي سلسلة تعادل قوة أضعف حلقة من حلقاتها، لأنك إذا قمت بجذب السلسلة من الطرفين فإنها تنقطع وتنفرط عندما تنكسر أضعف حلقة فيها كذلك الأمر في حالة الفريق فقوة الفريق ككل قد تعتمد على قوة أضعف عضو فيه في مارس عام 1989، وقعت كارثة بيئية سببها تسرب النفط من سفينة تابعة لشركة إكسون، سكب فيها حوالي 53 مليون جالون من النفط في البحر، فتوقفت السياحة وماتت الأسماك والطيور البحرية، واضطرت إكسون إلى دفع مبلغ يزيد عن 3.5 بليون دولار تعويضات عن الحادث. كل هذه الكارثة حدثت بسبب حلقة واحدة ضعيفة في السلسلة وهي إهمال قبطان السفينة الذي كان نائمًا عندما حدث الارتطام الذي أدى لتسرب النفط. لذا فعندما تكون فريقك عليك أن تسأل نفسك ثلاثة أسئلة: من يريد أن ينضم للفريق ويشاركني الطريق؟ ومن يختلف طريقه عن طريق الفريق؟ ومن يجب ألا ينضم للفريق؟

عليك دائمًا أن تستأصل الحلقات الضعيفة من السلسلة، أي أن تستأصل العناصر الضعيفة التي تسبب المشكلات، وتعوق الفريق عن الانطلاق.