في الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات خطيرة في إمدادات الطاقة على إثر تداعيات التصعيد العسكري الروسي ضد أوكرانيا، والذي أضاف أعباء وتحديات جديدة في سوق الطاقة العالمي، ورفعت من درجة المخاطر لدى كبار مستهلكي النفط والغاز.
وشهدت الدوحة وعواصم خليجية زيارات واتصالات مكثفة من مسؤولي الاقتصادات الكبرى بحثاً عن تأمين الطاقة والدخول في مناقشات أكثر عمقاً مع كبار مزودي النفط والغاز في العالم، ومن جديد بدأت الأضواء تسلط على منطقة الشرق الأوسط في الوقت الذي اختفت فيه أصوات حماة البيئة ومناهضي منتجي الهيدروكربون في العالم.
وعلى أثر هذه المخاوف بدأ كبار المستهلكين اتصالاتهم للوصول لاتفاقيات وتفاهمات مع كبار منتجي النفط والغاز في الشرق الأوسط وبشكل خاص دول مثل قطر والسعودية والإمارات، وهذا ما تفسره الجولات المكوكية لكبار المسؤولين والوزراء الغربيين والآسيويين لعواصم الخليج والتي من بينها الدوحة خلال الأيام الماضية، في محاولة منهم لحماية أمن الطاقة لديهم بعد أن تسبب الغزو الروسي في رفع درجة المخاطر في الإمدادات العالمية.
في الدوحة هبطت الأحد الماضي طائرة دولة السيد بو كيم -كيوم رئيس وزراء جمهورية كوريا والذي بحث مع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى العلاقات الثنائية وسبل تطويرها.
وفي نفس اليوم استقبل حضرة صاحب السمو، سعادة الدكتور روبرت هابيك نائب المستشار الألماني والوزير الاتحادي للشؤون الاقتصادية وحماية المناخ بجمهورية ألمانيا الاتحادية، وناقش مع سمو الأمير سبل تعزيز التعاون في مختلف المجالات، لاسيما الطاقة.
ومن قبل ذلك شاهدنا العديد من الاتصالات بين مسؤولين في الاتحاد الأوروبي مع دولة قطر ومن بينهم كادري سيمسون مفوضة الطاقة بالاتحاد الأوروبي وغيرها من الوزراء والمسؤولين من كبار مستهلكي الطاقة.
وقالت قطر للطاقة في بيان صحفي إنها تناقش منذ سنوات عدة توريد الغاز الطبيعي المسال القطري إلى ألمانيا مع شركات ألمانية، وحتى وقت قريب لم تتجسد هذه المناقشات في اتفاقيات على أرض الواقع بسبب عدم الوضوح بشأن الدور طويل الأجل للغاز في مزيج الطاقة في ألمانيا والبنية التحتية اللازمة لاستيراد الغاز الطبيعي.
وفي لقائه مع سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي وزير الدولة لشؤون الطاقة، أكد سعادة السيد روبرت هابك وزير الشؤون الاقتصادية والمناخ أن الحكومة الألمانية قد اتخذت إجراءات سريعة وملموسة لتسريع عملية تطوير محطتي استقبال الغاز الطبيعي المسال في ألمانيا كأولوية للسماح باستيراد الغاز المسال على المدى الطويل وهذا المخطط يحظى بدعم كامل من الحكومة الألمانية.
وبناء على ما سبق اتفق الجانبان أن الكيانات التجارية الخاصة ستشارك مجدداً وتقدم المناقشات بشأن إمدادات الغاز المسال طويلة الأجل من قطر لألمانيا.
وتأتي زيارة نائب المستشار الألماني للدوحة واتفاقه مع وزير الدولة لشؤون الطاقة، بالتزامن مع المساعي الألمانية لخفض الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي من روسيا، التي تستورد منها نصف احتياجاتها من الغاز.
وتعمل الحكومة الألمانية على البحث عن بدائل للغاز الروسي وجعل الغاز المسال ضمن مزيج الطاقة لديها.
لذلك نجد أن ألمانيا التي لا تمتلك محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، أعلنت عن العمل على تدشين محطتين لاستقبال الغاز الطبيعي المسال خلال العامين المقبلين شمال ألمانيا. وذلك ضمن مذكرة تفاهم وقعت بين أحد البنوك المملوكة للدولة وشركة (أر دبليو إي) والشركة المشغلة لشبكة الكهرباء.
وتسبب الصراع في تقلبات شديدة في أسواق النفط والغاز الطبيعي، أدت إلى ارتفاع جنوني في الأسعار مما دفع بعض المستهلكين الرئيسيين في القارة الأوروبية إلى البحث المحموم عن بدائل للإمدادات الروسية، حيث تمثل روسيا حوالي ثلث الغاز في أوروبا.
وقبل التصعيد العسكري الروسي ضد أوكرانيا ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بشكل كبير منذ عدة أشهر وذلك مدفوعاً بعدة عوامل رئيسية من بينها والصدمات الاقتصادية الناتجة عن حالة الإغلاق الكامل لاقتصادات العالم، والمناخ المتمثل في النقص الشديد في هطول الأمطار في البراميل وبالمقابل رأينا أمطارا وفيضانات في الصين ونقص الرياح في القارة الأوروبية مقابل تراجع في إمدادات الغاز الطبيعي من روسيا نحو أوروبا.
هذه العوامل المناخية والتي تحدث في العادة كل 100 عام أصبحت تحدث بشكل سنوي بالإضافة للعوامل الاقتصادية الأخرى جميعها دفعت بالأسعار لمستويات قياسية تزامنت في الوقت الذي تشهد فيه اقتصادات العالم تعافيا أسرع مما هو متوقع، خلال الفترة الماضية وبشكل خاص منذ منتصف العام الماضي.
ويرى خبراء أن الزيارات الغربية للدوحة خلال الفترة الماضية ليس الهدف منها هو حث الدوحة لتوجيه المزيد من الغاز المسال الذي تنتجه قطر في الوقت الراهن، وإنما البحث عن حصة من خطط قطر لرفع إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنوياً إلى 126 مليون طن سنوياً، وهو سباق وتنافس مفهوم إذا ما نظرنا لتقلب الإمدادات العالمية وفقدان الثقة في كبار الموردين للاتحاد الأوروبي بسبب الصراع في شرق القارة العجوز. علماً بأن قطر لا تستطيع أن تورد للاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن إلا ما مقداره 10 % إلى 15 % من إنتاجها من الغاز المسال، لأن أغلب إنتاجها يتم بيعه بعقود طويلة الأجل من 10 إلى 30 عاماً وجله يذهب للسوق الآسيوي باعتبار من أكبر مستهلكي الغاز المسال عالمياً.
بالمقابل نجد أن كبار المستهلكين الآسيويين وجدوا أنفسهم في قلب الصراع مع أسواق الطاقة الضيقة، أكثر من ذلك جعلت الحرب الأوكرانية السوق الأوروبي يضع علاوات سعرية أحياناً أعلى من السوق الآسيوي مما ساهم في توجه عدد من الشحنات في السوق الفوري نحو أوروبا.
وفي سوق النفط أيضا وجد الآسيويون أنفسهم في صراع شديد مع أسواق الطاقة الضيقة، الأحد الماضي ذكرت وزارة الخارجية اليابانية أن هاياشي سيزور الخليج.
وإذا نظرنا للصين على سبيل المثال نجد أن وارداتها من الغاز الروسي تضاعفت خلال الشهر الماضي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، على الرغم من ضعف الشهية للشراء الفوري بسبب ارتفاع الأسعار.
واشترت ثاني أكبر مشتر للغاز في العالم ما يقرب من 401 ألف طن من روسيا في فبراير، وفقًا لبيانات الجمارك الصينية الرسمية. وجاءت الزيادة مع انخفاض إجمالي واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 12 ٪ عن العام السابق، مع ارتفاع حصة روسيا إلى 8 ٪.
قال عدد من الخبراء في مجال الغاز الطبيعي المسال إن العقوبات المفروضة على روسيا تضع مزيدا من حالة عدم اليقين بشأن توقعات إمدادات الغاز الطبيعي المسال المحدودة بالفعل، حيث من المحتمل أن يؤدي أي تأخير في المشاريع الجارية إلى إطالة ضيق السوق الشديد والأسعار حتى عام 2025. وقد أدى غزو أوكرانيا إلى تضخيم أهمية أمن الطاقة.
ويرى كل من تالون كاستر وسكوت جي ليفين محللي الصناعة بشبكة بلومبيرغ أن مشتري الغاز الطبيعي المسال سيسعون للمزيد من العقود طويلة الأجل، والتي قد تساعد في تسريع قرارات الاستثمار النهائي لمشاريع التصدير المقترحة.
ويرى خبراء بلومبيرغ أن مشتري الغاز الطبيعي المسال الذين يسعون إلى تأمين الإمدادات يمكن أن يساعدوا المشاريع الدولية في الوصول إلى قرارات الاستثمار النهائي هذا العام، مشيرين إلى أن خطط دولة قطر في زيادة إنتاجها بتطوير المرحلة الأولى لحقل الشمال الجنوبي التابع لشركة قطر للطاقة على الأرجح يعزز السعة بمقدار 16 مليون طن سنويًا أخرى. فيما لا يزال مشروع Woodfibre الصغير التابع لشركة Pacific Oil Gas في غرب كندا يواجه عقبات، لكن تم توقيع أكثر من 70 ٪ من طاقته البالغة 2.1 مليون طن سنويًا مع شركة بريتيش بتروليوم.
وقال كاستر وليفين في مذكرة بحثية: إن نمو سعة تسييل الغاز لم تكن كافية حتى عام 2024، وكانت تشكل مصدر قلق للسوق حتى قبل أن تقوم روسيا بغزو أوكرانيا، وقد تؤدي العقوبات على روسيا إلى تعقيد توقعات إمدادات الغاز الطبيعي المسال بشكل أكبر. تشكل شركة Novatek Arctic LNG 2 و Gazprom s Portovaya و Baltic LNG ما يقرب من 40 ٪ من طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال التي كنا نتوقع بدايتها بحلول عام 2025. وقد يتم تأجيل التطوير، نظرًا للعقوبات التي قد تجعل من الصعب الحصول على التمويل وقطع الغيار والمعدات.
وأضاف الخبراء: نعتقد أن سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي وارتفاع الأسعار سيستمران حتى عام 2023. وقد يؤدي تأخير المشروع إلى إطالة هذه العوامل حتى عام 2025.
ويبدو أن الاهتمام بالاستثمار في البنية التحتية آخذ في الارتفاع، لكن من المحتمل ألا ينتج المشروع الذي يبدأ في العمل به الغاز الطبيعي المسال حتى عام 2026 على أقرب تقدير. نتوقع أن يبدأ مشروع LNG Canada بعد عام 2025، بينما قد يتأخر الغاز الطبيعي المسال في موزمبيق من شركة توتال للطاقة لفترة أطول.
ومن المتوقع أن يتجاوز الطلب على الغاز الطبيعي المسال العرض بشكل واضح خلال السنوات القليلة المقبلة، مدفوعاً بعدة عوامل من بينها خطط التحول من الفحم للغاز ومن النفط للغاز والسيارات الكهربائية والعملات الرقمية.
نظرًا لتزايد المنافسة في السوق الفورية مع أوروبا، يبدو أن المشترين الآسيويين للغاز الطبيعي المسال يسعون إلى المزيد من الإمدادات طويلة الأجل. الأمر الذي يفتح شهية المؤسسات النفطية في التعجيل باتخاذ قرارات الاستثمار النهائي، وهذا الحال ربما ينطبق على مشروع مثل (مكسيكو باسيفيك) الذي من المقترح إلى تصل فيه الشركة لقرار الاستثمار النهائي بشكل إيجابي هذا العام أو القادم.
وإذا ما نظرنا لقدرة التسييل الجديدة المحدودة التي تبدأ حتى عام 2025، فإن سرعة نقل الغاز الطبيعي المسال إلى السوق في هذا المنعطف تعتبر ذات قيمة.
بالمقابل فإن تأثير العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي سيكون له أثر واضح في هذا المجال، وحسب الخبراء فقد تكون شركة تكنيب الهندسية من بين الأكثر تضرراً في الصناعة، نظرًا لأنها استمدت 58 ٪ من إيرادات النصف الأول من عام 2021 من منطقة أوروبا وروسيا، بما في ذلك العمل في محطة Novatek Arctic LNG 2 وأعلنت الشركة في عام 2019 عن عقد إنشاء المشتريات الهندسية (EPC) للمشروع، والذي من المتوقع أن يدخل الخدمة في 2023 - 2025.
عالمياً بلغت حصة السوق الفوري من إجمالي التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال 23٪ خلال الفترة من 7 إلى 13 مارس، وانخفضت من 29 ٪ في الأسبوع السابق. استوردت كوريا الجنوبية 0.2 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال الفوري أكثر من الأسبوع السابق.
بالمقابل نجد أن تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية ارتفعت بنسبة 11 ٪ الأسبوع الماضي، ويعزى نصف الزيادة إلى ارتفاع عمليات تسليم العقود إلى منطقة اليابان وكوريا والصين وتايوان، ولا سيما اليابان. كما زادت فرنسا وإسبانيا حجم العقود المسلمة.
أما فيما يتعلق بشحنات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا نجد أن المنطقة غرب أوروبا وإيطاليا تسلمت 1.2 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال خلال الفترة من 7 إلى 13 مارس، أي أقل بنسبة 8 ٪ تقريبًا من نفس الفترة في الشهر السابق. وانخفض العرض من الولايات المتحدة بنسبة 14 ٪ عن نفس الفترة في فبراير 2022، بينما ارتفع العرض الروسي بنسبة 27 ٪ مع وصول المزيد من الشحنات إلى فرنسا وهولندا من محطة يامال الروسية. وكانت فرنسا المتلقي الأول لكل من الإمدادات الأمريكية والروسية بين أسواق شمال غرب أوروبا.