قطر تجاوزت الحصار اقتصادياً وسياسياً وأثبتت قدرتها على الازدهار

لوسيل


أكد خبراء مركز بروكنجز الدوحة، أن قطر خلال الأزمة الخليجية والتي دخلت عامها الثالث تخطت الحصار سياسياً واقتصادياً، وأثبتت قدرتها على الصمود والازدهار. وبالمقابل عرقل الحصار التجارة والاستثمارات بين الدول واتبعت دول الحصار سياسة خارجية تدخلية في دول المنطقة.

وأشار الخبراء في تقرير نشره مركز بروكنجز أمس، إلى أن المنطقة تفتقر أصلاً للمؤسسات التعاونية الفعالية، بالتالي توقف مجلس التعاون الخليجي عن العمل كهيئة موحدة أقله على المستوى السياسي.

ويرى نادر قباني مدير الأبحاث مركز بروكنجز الدوحة، وزميل أول برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية، إنه ومع دخول الأزمة الخليجية عامها الثالث، تتّضح ثلاثة أمور تتمثل في أن قطر تمكّنت حتى الآن من تخطّي مطبّ الأزمة بسلام، سياسياً واقتصادياً على حدّ سواء. وبرهنت على أنّها قادرة على الصمود والازدهار لوحدها. ومن المتوقّع أن يسجّل معدل النمو الاقتصادي في قطر في خلال العامين 2018 و2019 نسبة جيدة تبلغ 2,4%، وهي النسبة الأعلى بين دول مجلس التعاون الخليجي.

 وأضاف قباني بأن الإمارات أو السعودية الدولتين اللتين تقودان الحصار انتهجتا سياسة خارجية تدخّلية في اليمن وليبيا والسودان وغيرها من دول المنطقة. وفي هذا السياق ستتابعان بمعارضة السياسة الخارجية المستقلة التي تتبعها قطر وبالضغط على جارتهما لقبول طموحهما لكسب الهيمنة الإقليمية. 

واوضح قباني أن الحصار عرقل التجارة والاستثمارات والسفر بين تلك الدول. علاوة على ذلك أعطى الحصار إشارات إلى باقي العالم بعدم استقرار المنطقة سياسياً أو اقتصادياً. فتبعاً لدراسة لصندوق النقد الدولي كان الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة في العام 2017 في أدنى مستوياته منذ أكثر من عقد من الزمن. ومع أنّ قطر وجارتيها جاهزة لتحمّل مواجهة مطوّلة عليها أن تتصالح في نهاية المطاف. وكلّما انتهت الأزمة الخليجية أبكر يكون ذلك أفضل للجميع.

المؤسسات التعاونية

واعتبر عمر حسن عبد الرحمن زميل زائر بمركز بروكنجز الدوحة، أن المنطقة تفتقر أصلاً إلى المؤسّسات التعاونية الفعّالة، وطوال سنتين توقف مجلس التعاون الخليجي عن العمل كهيئة موحّدة، أقلّه على المستوى السياسي. ووصل الشرخ إلى المستوى الشعبي مع التفاف شعوب كلّ بلد حول قرارات قادتها. بيد أنّ الشرخ الخليجي لم يتمّ احتواؤه مؤسساتياً أيضاً في مجلس التعاون الخليجي، بل انتشر إلى الجامعة العربية ومنظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك) التي انسحبت منها قطر العام الماضي.

ومع أنّ أيّاً من هاتين المؤسستين لم تشكّل مثالاً يحتذى به في الفعالية، فقد أعاقهما الشرخُ الخليجي أكثر فأكثر في وقت تواجه فيه المنطقة اضطرابات كبيرة، مع مخاوف أمنية متصاعدة في الخليج العربي بالتحديد، لأنّ خطر اندلاع حرب مع إيران في ازدياد. 

توترات مجلس التعاون

وقالت نهى أبو الدهب زميلة السياسة الخارجية، مركز بروكنجز الدوحة، ما زالت التوتّرات بين دول مجلس التعاون الخليجي تؤثّر في المنطقة. فقد سبق أن زادت هذه التوتّرات الشكوك حيال العملية الانتقالية السودانية ويمكنها أن تطال العملية الانتقالية الجزائرية أيضاً. وعقّدت كذلك حلاً للصراعات في ليبيا واليمن. وتبقى الأزمة الخليجية التي باتت اليوم في عامها الثالث جزءاً من صورة أكبر تضمّ تاريخاً محتدماً يسبق الحصار الذي فُرِض على قطر في يونيو 2017. وقد فاقمت هذه الاختلافات المديدة غير المحلولة بين الدول الأربعة المُحاصِرة وقطر التطلعات الثورية المضادّة لدى جهات فاعلة قوية شأن السعودية والإمارات ومصر.

بالتالي، تتخطّى الطفرة المقلقة في القمع الداخلي الآن الحدود من خلال عمليتَي مراقبة وترهيب مكثّفتَين. وتشكّل ممارسة الاحتجاز والتعذيب والقتل المطبّقة على المنشقّين والصحافيين والمحترفين الآخرين من كامل الطيف السياسي، بمن فيهم الصحافي السعودي المعروف جمال خاشقجي، مثالاً على التداعيات التي تخلّفها التوترات الإقليمية المتصاعدة، من ضمنها الأزمة الخليجية. 

تصدير الازمة

وأوضح زاك فيرتين زميل زائر بمركز بروكنجز الدوحة، إنه منذ 2017، يتمّ تصدير الأزمة الخليجية إلى القرن الأفريقي حيث تسعى الدول الخليجية وتركيا إلى زيادة نفوذها وقدرة وصولها. وفيما يمنح الانخراط الجديد في القرن الأفريقي فرصاً محتملة بالتكاملَين السياسي والاقتصادي على سواحل البحر الأحمر، هو يشكّل مخاطر أيضاً، ولا سيما على ضوء عسْكرة الديناميات الأمنية الخارجية.

وكانت لتجلّي المنافسة الخليجية تداعياتٌ ملموسة في كلّ من الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وأريتريا، ومؤخراً في السودان. وخلف سقوط البشير في أبريل 2019 فراغاً سياسياً في الخرطوم. وفيما ستكون الموارد والدعم من الخليج وتركيا ضرورية للحرص على نجاح عملية الانتقال السياسي في السودان، من الضروري ألا تستبدل الأجندات الأجنبية المطالب الشعبية التي ينادي بها الشارع وتطلّعاتهم التي قُمعت لسنوات للوصول إلى إصلاح ديمقراطي.

وبالمقابل يرى علي فتح الله نجاد الزميل الزائر بمركز بروكنجز، أن استضافة قطر لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، شكل ضماناً ضد أي اجتياح يمكن أن يقوم به الحلف السعودي الإماراتي.

قطر تظل جهة فاعلة جيوستراتيجية وقوة اقتصادية

الأزمة أبرزت القوة القطرية الناعمة والفعالة وعززت الانتماء القومى

وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مسرحاً لتبادل الشتائم والإهانات

قال رانج علاء الدين زميل زائر بمركز بروكنجز الدوحة، إن الأزمة الخليجية تشكّل خيرَ مثال على مرونة الدول الصغيرة وقدرتها في وجه قوى خارجية عدائية. فبعد مرور سنتين على الأزمة، ما زالت قطر جهة فاعلة جيوستراتيجية وقوّة اقتصادية، إقليمياً ودولياً. وعندما اندلعت الأزمة، شكّلت تركيا جدار حماية لقطر، فأصبحت منذ ذلك الحين حليفها الأهمّ في المنطقة بعدما حال تدخّل أنقرة دون شنّ عملية عسكرية محتملة من قِبَل الدول المحاصِرة. وعلى غرار تركيا، أصبحت إيران أيضاً متحالفة بشكل أوثق مع قطر وغدت شريكاً تجارياً بديلاً مهماً لحاجات قطر اليومية. ففي غضون أسابيع ليس إلا أصبحت الأزمة فرصة لإبراز القوّة القطرية، إذ مكّنتها من إطلاق قوّة ناعمة موسّعة وفعّالة أكثر في أرجاء العالم، لا بل حتّى حرّكت في نفوس القطريين شعوراً أقوى بالقومية والانتماء.

وتموضعت قطر في موقع الجهة الفاعلة المحايدة في الصراع والتوتّرات بين الولايات المتحدة وإيران مثلاً، ويدعم مسؤولوها قيام أمن إقليمي يرتكز على التوافق.

تبادل الشتائم والإهانات

وأضاف عادل عبد الغفار زميل السياسة الخارجية، مركز بروكنجز الدوحة، أن التدهورُ في العلاقات بين الناس أحد التداعيات الفرعية المؤسفة التي ولّدتها الأزمة الخليجية. فأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت مسرحاً لتبادل الشتائم والإهانات، سواء بواسطة المواطنين أنفسهم أم باستخدام جيوش من الروبوتات لخوض حرب معلوماتية. وتصدّعت العلاقات بعيداً عن الإنترنت أيضاً. ففي منطقة تسمو فيها العلاقات القبلية على الحدود الوطنية، قسّم الحصار العائلات وسبّب توترات لدى عائلات أخرى. أما الرياضة فعوضاً عن استخدامها للجمع بين الناس أصبحت تستخدم كسلاح. وتمّ تسييس الحجّ الذي يشكّل رمزاً كبيراً للوحدة بين المسلمين.

وخلص عبدالغفار إلى ما أسماه، بتحطّم وهم العائلة الموحدة في مجلس التعاون الخليجي. وكانت الروابط اللغوية والعائلية والدينية والثقافية في قلب النسيج الاجتماعي في المنطقة. وحتى لو حُلّت الأزمة على مستوى القيادات، من المرجّح أن تبقى تداعياتها محسوسة على مستوى الشعوب، مع عداوات مستمرّة لعقود وعقود.