الحماية القانونية من الجرائم الإلكترونية

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة عالما موازيا للعالم الواقعي، له خصوصيته وظواهره المستحدثة وأيضا مشكلاته التي تتقاطع مع واقعنا اليومي المعاش، ولعل ذلك ما دفع المشرع القطري للتدخل من أجل تجريم بعض السلوكيات التي تتم عبر شبكات الاتصال الإلكتروني وإفراد عقوبات خاصة بها، وذلك ضمن القانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية. ولقد جاء القانون المذكور في 54 مادة مقسمة على 5 أبواب، تناول من خلالها المشرع أنواع الجرائم التي يرتكبها رواد شبكات الاتصال الإلكتروني، وإجراءات تحريك الدعوى الجنائية بشأنها وأيضا طرق التعاون الدولي في مكافحة الجريمة الإلكترونية. والملاحظ أن المشرع من أجل التصدي لهذه الجرائم التي تشكل خطورة على المجتمع وتهدد استقرار وسلامة الأفراد، أعطى للنيابة العامة ومأموري الضبط القضائي سلطات واسعة باتخاذ أي إجراء مناسب في سبيل التحري والتحقيق، لدرجة أن سمح بتجاوز مبدأ السرية والخصوصية، وذلك من خلال إلزام مزودي الخدمات الإلكترونية بتمكين جهات التحقيق من جميع المعلومات المطلوبة بهدف السير السليم للعدالة، وأيضا عن طريق تمكين جهات التحري والتحقيق من التحفظ على الأجهزة والأدوات الإلكترونية المستعملة في الجرائم. إن ما يبرر توسيع صلاحيات جهات التحقيق والتحري في الجرائم الإلكترونية هو صعوبة ضبط تلك الجرائم ومرتكبيها وفق الإجراءات التقليدية للتحري، خصوصا وأن النطاق المكاني لارتكاب هذا النوع من الجرائم غير مقيد جغرافيا وهوية الفاعلين يسهل إخفاؤها. وأمام التطور التكنولوجي السريع الذي يعرفه العالم، أصبح ولوج الشبكات الإلكترونية أمرا واقعا، بل أصبح استخدامها ضروريا من أجل إجراء المعاملات الرسمية، ودولة قطر خير نموذج لذلك، خصوصا عقب ظهور وباء كورنا وتداعياته، بحيث أصبح تخليص المعاملات والخدمات يتم إجباريا عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة، الشيء الذي أدى إلى ارتفاع هامش الجريمة الإلكترونية، من قبيل الجرائم التي تستهدف بطاقات الائتمان والأداء، والجرائم التي تمس الحسابات البنكية للأشخاص، جرائم السب والقذف والتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، جرائم الإباحية والفساد التي تتم عبر الشبكات الإلكترونية، سرقة البيانات الشخصية للأفراد واستخدامها غير المشروع وغيرها من الجرائم التي شاع ارتكابها في المجتمع، وصارت أشد وطأة من الجرائم الأخرى التي تتم على أرض الواقع. وأخيرا فإن القوانين تبقى مجرد نصوص تهدف التنظيم والحماية وفق ما يفرضه الواقع من ظواهر، وفي المقابل فإن عالم الشبكات الإلكترونية في تطور مستمر، وبالتالي فإن الجرائم التي ترتكب بمناسبتها في تطور موازٍ، لدى يكون من الصعوبة أن يحيط القانون بجميع الجرائم الإلكترونية أو يضع حلا جذريا لها، لذلك فإن الأفراد ملزمين من أجل الحفاظ على خصوصيتهم وأموالهم باتخاذ الحيطة والحذر، وبالاستخدام العقلاني لوسائل الاتصال الحديثة.