الغاز الطبيعي.. والصراع بين الدب والنسر

ترقب شديد ومراقبة حذرة للأحداث الأخيرة في العالم، تطورات يومية ورقابة لصيقة للدب الروسي وتحركاته المزعجة للقارة العجوز (اوروبا) ومن خلفها النسر الأمريكي، فالروس باتوا يحشدون قواتهم العسكرية على الحدود الاوكرانية اما خطاب الشجب الاوروبي فما زال مرهونا بموجات الصقيع الباردة والتي قد يتوقف الغاز الروسي عن صدها في أي وقت، وهو ما يجعل الموقف الأوروبي حتى الان خطاب بلا كلمات او كلمات بلا صوت. اجتماعات كثيرة وطويلة تضع كلاً من بايدن وبوتين وجها لوجه، فالغاز الروسي يتحدى رتابة الدول الاوروبية في الدفاع عن احدى جاراتها بل وشقيقاتها اما عيون الحلم الأمريكي وهو الراعي الرسمي للدفاع عن الحقوق (كما يُقال او كما يُريدون ان يُقال). وبالرغم من كل هذا الزخم العسكري والسياسي الا ان الحديث الأول والاهم ما زال يدور حول الغاز، فالكل يسأل ماذا لو تدخلت الدول الاوروبية ولو بالكلام فقررت روسيا فجأة وقف ضخ غازها الدافئ الى اوروبا وهي التي تعتمد بشكل شبه كامل على موسكو في الحصول على هذه المادة الحيوية حيث يحصل الاتحاد الأوروبي على نحو 40% من الغاز الطبيعي المستورد من روسيا بل وأكثر من ذلك فان 80% من استهلاك اوروبا من الغاز الطبيعي يمر عبر الأراضي الأوكرانية، هو الامر الذي جعل قادة العالم يقفون أمام معضلة مهمة تتلخص في طريقة تأمين ما تحتاجه اوروبا من الغاز، وهنا ظهر سؤال مهم، فما هو الغاز الطبيعي؟ وما هي انواعه؟ وما هي استخدام كل منها؟ من الناحية العامة فان الغاز الطبيعي هو أحد مصادر الطاقة غير المتجددة والبديلة عن النفط، فالغاز الطبيعي هو مورد طاقة أوليّة مهمة تتميز بأنها عالية الكفاءة قليلة الكلفة قليلة الانبعاثات الملوثة للبيئة، هذا ويتكون الغاز الطبيعي من العوالق وهي كائنات صغيرة جدا لا ترى بالعين المجردة مثل الطحالب والكائنات الأولية التي ماتت وتراكمت في طبقات المحيطات والأراضي فانضغطت بقاياها تحت طبقات رسوبية عبر آلاف السنين حيث قام الضغط والحرارة بتحويل هذه المواد العضوية إلى غاز طبيعي، فهو حقيقة لا يختلف كثيرا في طريقة تكوينه عن أنواع الوقود الأحفوري الأخرى مثل الفحم والبترول، وهو أيضا ما يجعله مع رفيقه النفط وهما يتكونان في نفس الظروف الطبيعية تقريبا يتواجدان معاً وفي اغلب الأحيان في حقول واحدة سواء اكانت تحت الأرض أو الماء، هذا ومما هو جدير بالذكر فان الغاز الطبيعي الذي يتم استخراجه يتم تصنيفه إلى نوعين: غاز مصاحب وغاز غير مصاحب، والفرق بينهما هو انه إذا تواجد الغاز الطبيعي مع النفط في نفس الحقل فانه يُسمي بالغاز المصاحب، وإذا كان الحقل يحتوي فقط على الغاز الطبيعي دون النفط فانه حينها يُسمي بالغاز غير المصاحب، هذا ويشكل الغاز الطبيعي جزءا وفيرا ومهما من امدادات الطاقة في العالم فهو يعتبر أحد أهم وأنظف وأقوى أشكال الطاقة المتاحة للمستهلكين الافراد، حيث يسمح هذا الغاز الطبيعي للناس بالطهي والتدفئة بالإضافة الى العديد من الامور اليومية الهامة، وفيما يلي بعض أنواع طاقة الغاز الطبيعي: الميثان: وهو النوع الأهم والمكون الأكثر وفرة من الغاز الطبيعي النقي، وهو أيضاً قابل للاحتراق بدرجة عالية، ويمكن استخدامه لمجموعة واسعة من أغراض الطاقة حيث يتم إرساله إلى المنازل عبر خطوط الأنابيب ليتم استخدامه للطهي والتدفئة وتكييف الهواء وغيرها من الأنشطة المنزلية المهمة. الإيثان: وهو ثاني أكثر مكونات الطاقة وفرة في الغاز الطبيعي، ويتم استخدامه بعدة طرق بعد عزله عن الغاز الطبيعي فهو غالباً ما يستخدم لإنتاج منتجات الإيثيلين والبولي إيثيلين، وهي بدورها تُستخدم لإنتاج مواد التعبئة والتغليف والأسلاك والمنتجات الاستهلاكية الأخرى. البروبان: وهو مصدر طاقة وفير موجود في الغاز الطبيعي ويتم معالجته بشكل غاز أو سائل، ويمكن استخدامه لمجموعة متنوعة من الأغراض، فعلى سبيل المثال يتم استخدامه لتزويد المحركات بالوقود والطهي بالمواقد وللتدفئة كما انه يُستخدم في بعض الحافلات والمركبات الكبيرة التي تعمل بالغاز، وله استخدامات أخرى ضرورية للمنازل. البيوتان: وهو منتج غير وفير في الغاز الطبيعي ويُمكن استخدامه لمجموعة متنوعة من الأغراض فهو أحد مكونات غاز السيارات، وأيضاً تستخدم كل من وحدات التبريد والولاعات كمية كبيرة منه. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من ان النزاع الروسي حول أوكرانيا هو سياسي في ظاهره الا انني أؤمن ان للاقتصاد وتوابعه من مال ونقد اليد الخفية والحقيقية لتأجيج او تهدئة هذا الخلاف، فالحرب وان كانت عسكرية الملامح الا ان استمرارها او توقفها او حتى عدم نشوبها هي أمور اقتصادية الهوى تقف على نتائج حسابات خاصة للربح والخسارة، فالحرب بالنسبة لبعض الدول ما هي الا مشروع له تكاليف وايرادات تتحول لجدوى اقتصادية تُبرِّر ولو سرا نشوبها، وهنا اتذكر مقولة "رونالد ريغان" وهو الرئيس الأمريكي الأسبق حين قال" يُعلمنا التاريخ أن الحروب تبدأ عندما تعتقد الحكومات أن ثمن العدوان رخيص".