هل يفترض بهذا العالم الذي نعيش فيه أن يكون مكانا عادلا، وهل سيبقى من يسير على الدرب موعودا بالوصول، وهل سينتصر كل المظلومين يوماً ما، ستبقى هذه الأسئلة المصدر الأساسي للفلسفة الإنسانية وللمدارس الفكرية وعلى رأسها المدارس الاقتصادية والتي تمثل النموذج الأولي والعمود الفقري للتطبيقات الاجتماعية والسياسية والسلوكية.
وفي العدل والظلم ورد في آخر الآية 49 من سورة الكهف قوله تعالى (ولا يظلم ربك أحدا) في إشارة واضحة للعدل المطلق، وجاء في تفسير ابن كثير بالمعنى ان الله يحاسب الناس على أعمالهم فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهذا يوم القيامة وليس في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) النساء 40 وايضاً بالعودة الى ابن كثير تجد ان الحديث يدور عن مجريات يوم القيامة، وانا أضع التساؤل هنا لفهم ما قيل عن واقع العدل في هذا العالم وهل هو موجود ام ان الحكمة تقتضي ألا يكون عالمنا عادلا، وقد استوقفني قول الشيخ راتب النابلسي في تفسيره للآية (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
الأنبياء 105، حيث قال، والكلام للشيخ النابلسي، ان الصلاح المقصود هنا هو الصلاح الاداري وليس الديني لذلك ترى ان الدول التي اعتمدت العدالة والصلاح منهجا إداريا وقانونا يحكم الجميع ويطبق على الجميع هي الدول الأقرب الى العدالة الدنيوية وبالتالي للتطور والتقدم، والعكس صحيح.
وهنا أودّ أن أجتهد في الإجابة على الطرح الاولى بإمكانية عدالة هذا العالم من عدمه، والحكمة من ذلك انطلاقاً مما سلف مع الإضافة، لقد خلق الله هذا العالم ووضع فيه من القوانين الكونية والفيزيائية ما يبقيه في حالة استمرارية مادية، وكذلك انزل مجموعة من النواميس والقوانين الفكرية والإنسانية والسلوكية والفطرية، ما تبقي الكون في حالة استمرار وتوازن بمقدار التزامنا بتلك النواميس والقوانين، لذلك إن مفهوم العدل هو مفهوم نسبي بين الدول والامم والشعوب يزيد بمقدار اقترابهم من تطبيق المنهج الاداري الصحيح وينقص بمقدار الابتعاد عنه.
أما معيار الصلاح لنكون من الصالحين ويكون لنا إرث الارض هو معيار العدل، والعدل يأتي نتيجة طبيعية وحتمية في آن معاً عند تطبيق النواميس والقوانين الإدارية والفطرية الصحيحة سابقة الذكر ويحضرني هنا قول شيخ الاسلام الامام ابن تيمية قولة (ان الله ينصر الدولة العادلة وان كانت كافرة) ف 63/28.
والخلاصة أن الإنسان بضميره المفرد وضمير الجمع معاً هو صاحب القرار في إقامة العدل في هذا العالم، وأن نسبة العدل تختلف باختلاف الأماكن مع ثبات عنصر الزمن، وتختلف باختلاف الأزمان وثبات الأماكن، ويبقى العدل يوم العدل عند صاحب العدل، وإلى لقاء هذه تحية.