ينتشر مرض الاقتراض بين كثيرين لا يبالون بأسعار الفائدة، مما يقوض فعالية توزيع الائتمان المستند إلى السوق، بإحداثهم خللا في إشارات السياسة النقدية، بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر تلحق بسياسات الاقتصاد الكلي، وهذا المرض أحد أسباب ظاهرة القروض التي تعاني بنوك خليجية من تخلف أصحابها عن سدادها، كما هو الحال عندما انفجرت الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة، وكانت البنوك سببا فيها وضحية لها في نفس الوقت، لأنها لم تعر أهميةً للجدارة الائتمانية لعملاء قروضها، فكانت النتيجة تضخم محافظها الائتمانية بنوعية رديئة وغير آمنة من تلك القروض، انتهت بإعسار أصحابها، وتوقفهم عن السداد. وهنا فقد أعلنت بنوك خليجية زيادة في حجم القروض غير المسددة وصلت في الربع الأول من 2016 إلى ما يقارب 75%، واقتربت مخصصات تغطية القروض المتعثرة إلى مستوى 60%، وهي نسب وإن كانت تتعلق ببنوك بعينها، إلا أنها تدق ناقوس الخطر الائتماني والمصرفي، وتتطلب التدخل لكبح جماحها، حتى لا تتحول إلى ظاهرة عامة تضرب البنوك الخليجية التي قد تتعدل تصنيفاتها الائتمانية، وتنخفض جدارتها الائتمانية تبعا لانخفاض جدارة دولها، مع تراجع الإيرادات النفطية. استدعى تحديث وتطوير البنية التحتية والفوقية الخليجية إبان طفرة أسعار النفط، إيجاد المزيد من فرص عمل التي سمحت بزيادة الإنفاق، وترافق ذلك مع طلب العاملين دخلا إضافيا لمجاراة متطلبات الإنفاق الاستهلاكي المتصاعد، فكانت البنوك جاهزة بقروضها الميسرة، وهو ما ساهم بتضخيم مديونية الأفراد والأسر بالقروض المباشرة وبالبطاقات الائتمانية، فالحصول على المال أصبح سهلا - حول راتبك أو حتى بدون تحويل واحصل على قرض بغمضة عين - فغابت أو تراجعت معايير الجدارة الائتمانية مع ارتفاع حدة المنافسة المصرفية، وزادت المكافآت المجزية لمديري وموظفي المصارف بما يتناسب طرديا مع زيادة أرقام تسهيلاتهم أو عدد بطاقات الائتمان المبيعة للعملاء، وهي الأسباب نفسها التي أدت لتدني المعايير المصرفية في الولايات المتحدة قبيل الأزمة المالية العالمية. رافق يسر حصول البعض على القروض رغبة إضافية لديه بتحقيق الغنى السريع، فوظفها في أسواق الأسهم، أو في تجارة الذهب والعملة، لكن ومع تراجع سعر النفط، وتذبذب أسعار الذهب، وتغير سعر صرف الدولار بين الارتفاع والانخفاض، وتراجع أسعار صرف العملات الأخرى، تكبد كثيرون خسائر فادحة ربما ذهبت بكل قروضهم المصرفية، حتى من استثمر قروضه في مشاريع صغيرة أو متوسطة، بالتزامن مع الاستغناء عن موظفين هنا وهناك لعدم الحاجة إليهم في الظروف الاقتصادية الراهنة، مما أوقع الصالح والطالح في مصيدة التعثر عن السداد. تبدأ البنوك بأخذ حذرها من قطاع ما وتعمل على تقليل التزاماتها تجاهه عندما يصل ذروة نشاطه، هنا بالضبط يبدأ البنك الحصيف بالانسحاب التدريجي من هذا القطاع ليحافظ على أمواله، ويحد من خسائره إن حدثت، وهي خسائر تتطلب مخصصات مالية لمواجهتها تقتطع من أرباحه، الأمر الذي يؤثر على مجمل أدائه وتنافسيته وحصته السوقية، وعلى سعر سهمه في البورصة، ويقلل من تصنيفه الائتماني الذي يتحول قيودا على قدرته التسليفية، لذلك فالبنوك الخليجية مطالبة بمراجعة مسيرتها الإقراضية، والعمل على إرساء ثقافة الائتمان، أي الاعتياد على استخدام مبادئ السوق في تقدير مخاطر الائتمان بما يتطلبه ذلك من تمييز ليس فقط بين معاملات الإقراض والإيداع، بل أيضا بين معاملات الجملة والتجزئة، خاصة أنها مقبلة على تحديات لا تقل خطورة عن تحدي تعثر السداد كمعايير الإفصاح المالي، ونموذج الخسائر الائتمانية، وهو ما قد يؤدي لزيادة متطلبات الإهلاك، ويصعب عملية الإقراض، ويفرض مزيدا من المخصصات. ليست القضية فيما إذا كانت الحكومات الخليجية ستسدد مديونية الأفراد من مواطنيها، أو ستقدم حزما تحفيزية للبنوك لتجاوز إعسار بعضها، فهذا كله ممكن ومقدور عليه، لكنها نوعية السياسات المصرفية المتبعة، ومردود الحوافز التي تدفع للعاملين في تلك المصارف، ومعايير السلامة الائتمانية المصرفية، والأهم مدى معرفة تلك المصارف بعملائها فعلا، على قاعدة اعرف عميلك؟