الصيرفة الإلكترونية.. واقع ومستقبل

شهد العالم في السنوات الأخيرة ثورة تكنولوجية أدت الى تطور مذهل وسريع في مجال الاتصالات والمعلوماتية، هذا التطور جعل عمليات الاتصال ونقل المعلومات أكثر سهولة واقل تكلفة ومجهود وبنفس الوقت أكثر دقة ووضوح، ونظرا لأهمية تبادل المعلومات في جميع النواحي العملية، فقد شكلت تقنيات الاتصال السابقة همزة وصل مهمة بين جميع الأنشطة والمجالات الاقتصادية، حيث شكلت هذه التقنيات عنصرا مساعدا للتقدم والتطور لتلك الأنشطة.   وحيث ان القطاع المالي سريع التأثر والاستجابة للمتغيرات الخارجية ونظرا لحساسية الوقت واهمية الدقة في عمليات نقل الاموال واتمام الدفعات، فقد أدت هذه الثورة إلى ظهور تغيرات جوهرية في طبيعة عمل هذا القطاع، والذي بات أبرز القطاعات التي تأثرت بثورة المعلومات التي شكلت عاملا مهما لتنمية العمل المصرفي و تطويره.  فهل نحن في نهاية عصر الصيرفة التقليدية؟ وهل ان الصيرفة الالكترونية أصبحت واقعا لمستقبل عالمنا القادم؟  أولا و قبل كل شيء يجب ان نعلم أن البنوك الإلكترونية بمعناها الواسع ليست مجرد خدمة لبنك قائم يقدم خلالها خدماته فحسب، بل هي موقع مالي تجاري، واستشاري شامل، لإدارة الأموال و الثروات وبالرغم من تنوع المصطلحات التي أطلقت على هذه البنوك مثل بنوك الإنترنت أو البنوك المنزلية أو بنوك الخدمة الذاتية، الا ان جميعها تشير إلى قيام العميل بالاتصال بالبنك عن بعد مما يمكنه من إدارة حساباته وإنجاز كافة تعاملاته في اي وقت و في اي مكان، و هو ما يعبر عنه "بالخدمة المالية عن بعد". فالمقصود إذن بالصيرفة الإلكترونية هو إجراء العمليات المصرفية بشكل إلكتروني، وهي بذلك تعتبر فروع افتراضية متنقلة تظهر بصورة مواقع إلكترونية على شبكات الإنترنت لتقديم خدمات البنوك التقليدية مثل سحب أو دفع أو تحويل الأموال وغيرها، على ان يتم ذلك دون الحاجة لتنقل العميل أو وجوده الجسدي في البنك، وهو ما يتناسب وبشكل كبير مع التغيرات التي يشهدها العالم في ظل معطيات و ظروف جائحة كورونا الاخيرة و ما ارتبط بها من اجراءات وقاية وعزل وتباعد اجتماعي و التي من المتوقع ان تفرض نفسها على قطاعات الاعمال المختلفة مستقبلا. وكما استفادت الشركات الكبرى من التقدم التكنولوجي و الثورة الرقمية، فتوسعت وانتشرت بكثير من دول العالم ، كذلك الحال بالنسبة للقطاع المالي، حيث تميزت الصيرفة الالكترونية بعدة امور ومنها: أولا أنها خدمات تتم عن بعد وبدون اتصال مباشر بين أطراف الخدمة المصرفية مما يوفر الوقت و الجهد والتكلفة و يزيد من مستوى الدقة أيضا. ثانيا أنها خدمات تقوم في بعض الاحيان على التعاقد بأقل مستندات ورقية و بالرغم من بعض المسائل القانونية المتعلقة بأداة الإثبات لهذا الامر، الا ان البعض اعتبره ميزة خاصة فيما يتعلق بسرعة التنفيذ بعيدا عن البيروقراطية الادارية. ثالثا توسيع رقعة تقديم الخدمات للمؤسسات المالية و بالتالي امكانية الوصول الى معظم دول العالم وهو ما يتيح خيارات متعددة للزبائن والمتعاملين. رابعا سرعة التنفيذ والتحويلات المالية فتحت الباب أمام الاستفادة المباشرة من عمليات تجارية ومضاربيه متنوعة عن طريق استراتيجية الدخول و الخروج السريع للأموال و هو ما أطلق عليه لاحقا اسم تحركات الأموال الساخنة. خامسا خفض التكاليف الخاصة بالمنشآت المالية عن طريق تقليص عدد الموظفين ومساحات عملهم وهو ما ينعكس لاحقا بالقدرة على تقديم عروض أفضل للعملاء. وبالرغم من سلبيات الصيرفة الالكترونية و التي قد تفتح الباب امام عمليات نصب واحتيال كثيرة وخاصة لدى بعض الشركات غير الموثوقة والتي قد تستغل فرصة التعامل عن بعد لتحقيق أرباح غير مشروعة، الا أن عدوى تعاملاتها انتقلت سريعا لأدوات الدفع فظهر ما يسمى بالعملات الرقمية.  من هنا وبرأيي الشخصي،فان ثورة الصيرفة الالكترونية والتي تحمل في طياتها التحول الرقمي بالتعاملات وبالرغم من أنها مستقبل العمل المالي الا انها لا تكتمل الا بوجود العملات الرقمية والتي قد تصبح باي شكل من الاشكال وسيلة التعامل المالي الوحيدة ولو بعد حين.