بريطانيا الصغرى

كانت تشعر بأنها تمثل قوة دولية كبرى ومستقرة إن قرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يكن مفاجئا لمن يعرف المجتمع البريطاني جيدا، فهذا المجتمع له تاريخ وإرث عريق ساهم بشكل كبير في تكوين عقلية وتفكير وفلسفة الفرد البريطاني، فهذا الفكر لا يزال يؤثر بشكل كبير على علاقات البريطانيين بالعالم الخارجي ويتحكم في الروابط السياسية والاقتصادية بينهم والمجتمعات الأخرى. عندما نتحدث عن بريطانيا فإننا نتحدث عن أكبر إمبراطورية شهدها التاريخ، كانت تمثل قوة عظمى حكمت جزءا كبيرا من العالم ولفترة طويلة، ففي عام 1922 سيطرت هذه الإمبراطورية على نحو 458 مليون نسمة، أي خمس سكان العالم في ذلك الوقت، وقد امتدت هيمنتها على أكثر من 33670000 كم 2، أي ما يقرب من ربع المساحة الكلية للأرض، فكانت تسمى بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. لقد أدى ذلك إلى انتشار وهيمنة إرثها السياسي والقانوني واللغوي والثقافي على نطاق واسع من الكرة الأرضية، فاللغة الإنجليزية هي اللغة الأولى في العالم وهي اللغة المعتمدة للأمم المتحدة، كما أن الثقافة الإنجليزية لا تزال واسعة الانتشار، حيث بقي تأثيرها واضحاً في الثقافة العالمية في العصر الحديث. بريطانيا التي استعمرت دولا كبرى مثل أمريكا وأستراليا والهند ودولا أخرى في بقاع العالم ترى نفسها دولة استثنائية، فهي التي صنعت التاريخ ولعبت دورا محوريا في رسم خارطة العالم وتقسيم الأراضي وما فيها وما عليها من جبال وأنهار وبحار وأشجار وموارد وبشر. وقد تركت بصمتها في العديد من الأنظمة الحكومية والاجتماعية في الدول التي حكمتها، كما ترى أنها صاحبة الفضل في إنشاء كثير من الأنظمة السياسية والاقتصادية والدساتير التي لا تزال تحكم وتدير مستعمراتها السابقة. ولذلك ترى نفسها في مركز القيادة صاحبة القرار والسيادة وليست جزءا من منظومة سياسية أو عضوا في اتحاد لا تملك فيه القرار المطلق أو تفقد فيه سلطاتها السياسية والاقتصادية. وحتى بعد تفكك واستقلال مستعمراتها قامت هذه الدولة بإنشاء منظومة دولية أطلقت عليها اسم رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث) وهو عبارة عن اتحاد مكون من 53 دولة جميعها من ولايات الإمبراطورية البريطانية سابقاً وتلعب فيه دور القيادة. ولتعزيز مكانتها العالمية اهتمت بريطانيا طوال تاريخها بقوتها الاقتصادية والعسكرية وفرضتها على منافسيها الأوروبيين، فأصبحت دولة عظمى تهابها الدول الأخرى. وقد استمدت قوتها من الموارد الطبيعية الضخمة التي كانت تتدفق عليها من المناطق الجغرافية الشاسعة التي استعمرتها والتي كانت تمثل أيضا أسواقا لمنتجاتها. لقد اعتمدت بريطانيا في سياساتها الإمبراطورية على ثلاثة عناصر رئيسية، أولاً الاستيلاء بالقوة على الأراضي الإستراتيجية، وثانياً عنصر الاحتكار للموارد والأسواق، وثالثاً منع الدول الأخرى من منافستها، فكانت تعمل على إضعاف منافسيها في الداخل والخارج. المنافس الداخلي شغلته بسياسة فرق تسد، حيث مثل الصراع بين الأديان والأعراق والهويات العرقية أهم ملامحه، أما المنافس الخارجي فقد كانت تواجهه من خلال بناء القوة العسكرية الضخمة والسبق في غزو واحتلال الدول الأخرى والجزر الإستراتيجية في مناطق مختلفة من الكرة الأرضية. وكانت الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وألمانيا تمثل التحدي الأكبر للإمبراطورية البريطانية فهذه الدول كانت بمثابة الإمبراطوريات الأخرى التي سادت وحكمت الجزء الآخر من العالم. هذه هي بريطانيا العظمى التي كانت ترفض الانضمام إلى النادي الأوروبي، بحجة أنها لا تريد التخلي عن مكانتها العالمية وكذلك التضحية بحلفائها من بلدان الكومنولث مقابل العضوية في مجموعة تضم دولا ضعيفة خائبة ليس لها أي ثقل دولي وهي بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، فألمانيا كانت محتلة ومقسمة وفرنسا أيضا كانت دولة ضعيفة اقتصاديا وسياسيا بسبب خسارتها حربا كولونيالية في فيتنام وأخرى في الجزائر، بينما كانت بريطانيا تشعر بأنها تمثل قوة دولية كبرى ومستقرة، لديها مؤسسات سياسية ديمقراطية وتربطها علاقات تجارية دولية ولديها وفرة من المواد الغذائية الرخيصة من بلدان الكومنولث. وحتى بعد انضمامها إلى النادي الأوروبي لم تكن تقبل كل القرارات والقوانين التي أقرها الاتحاد الأوروبي، فقد رفضت مثلا الانضمام إلى الوحدة النقدية والتخلي عن سلطتها النقدية لصالح فرنسا وألمانيا الأكثر قوة في الاتحاد الأوروبي.. فهل تتحول بريطانيا إلى دولة صغرى بسبب إرثها القديم.