قرأت العديد من المقالات والدراسات وتابعت تحليلات وآراء بعض الخبراء المتخصصين بشأن سياسات صندوق الدولي وآثارها السيئة على اقتصادات العالم ودورها في تحويل الكثير من دوله التي تضطر إلى تطبيق برامجه لمعالجة أزماتها المالية والاقتصادية إلى (ضعضعة الاستقرار السياسي والاجتماعي)، كون أنها تسعى إلى إضعاف دور الحكومات في الشأن الاقتصادي في الدرجة الأولى، بمعنى تقييد و(تحجيم قدرتها عن الصرف)، لتخفيض نسبة الإنفاق الحكومي ومعالجة عجز الموازنات السنوية، وهو ما يؤدي بالأخص إلى تأثر شريحة ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة من المواطنين، وهي الشريحة الأهم لنشاط السوق بصفتها تمثل القوة الشرائية الأكبر في أي مجتمع، فتخفيض نسبة الإنفاق الحكومي ستتجه تأثيراتها مباشرة إلى رفع الدعم عن المواد الأساسية مثل البنزين، الغاز، الخبز، الكهرباء، والمياه، التي ستعمل على (زيادة المعاناة الاجتماعية). وفي المقابل فإن عمليات التمويل والقروض التي يقدمها الصندوق تهدف في المقام الأول إلى (خدمة طبقة أصدقائهم المستثمرين)، لذلك تصبح (ضارة في حالات كثيرة)، كما يرى هؤلاء الكتاب والمحللون. الكتاب الصادر عن سلسلة (عالم المعرفة) في أبريل 2016، بعنوان (صندوق النقد الدولي.. قوة عظمى في الساحة العالمية) تأليف (أرنست فولف)، قدم رؤية شاملة عن سياسات الصندوق مدعومة بالأرقام والقراءات والنماذج التي تعزز رأي وتوجهات الكاتب، وتضمن مسحا لعشرات الدول التي وقعت فريسة لبراثن سياساته المتمثلة في رفع الضرائب وخفض الإنفاق والتقشف وتقديم المزيد من القروض التي لم تؤد وفقا للنتائج التي عرضها الكتاب إلى تحسن اقتصاد الدول المتأزمة، وإنما إلى المزيد من الفقر والتهميش والأمراض المميتة واتساع مساحة الفجوات بين الأغنياء والفقراء وتراجع حقوق ورواتب الموظفين وارتفاع الأسعار وانتشار الجريمة والفساد وتجارة المخدرات والمسكرات وتضاعف نسبة البطالة وتهريب رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة الصحة والتعليم وتراجع جودة الخدمات والمخرجات، ومن ثم نشوء الاضطرابات السياسية والصراعات واختلال الأمن وانهيار أسس الدولة واقتصادها، وأشار الكاتب إلى أن تفكك دول مثل الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا كان سببا طبيعيا لسياسات الصندوق الذي لم يكن أكثر من أداة ينفذ سياسات الولايات المتحدة الأمريكية لتدمير الأنظمة السياسية المعادية لها عبر (استدراجها للوقوع في فخ المديونية) من خلال منحها لقروض (عالية المخاطر) وتمكين (الرأسمالية المالية الدولية لأن تحصل منها على تنازلات، ما كانت ستقدم عليها أبدًا في ظل ظروف عادية). وعزز مؤلف الكتاب رؤيته بنماذج أكدت أن الدول التي تمكنت من تحقيق نجاحات اقتصادية مهمة ونمو اقتصادي متواصل واستطاعت تنويع مواردها ومعالجة أزماتها المالية هي تلك التي لم تخضع لسياسات صندوق النقد الدولي وقدم أمثلة (الصين وتايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونج كونج...). وخلص الكتاب بعد عرضه التاريخي لمسيرة وسياسات صندوق النقد الدولي إلى أن تدخله يأتي فقط عندما تعجز الدول المدينة من تسديد ديونها إلى المصارف الغربية، وذلك بتقديم القروض لهذه الدول وفق شروط صارمة ورقابة مشددة وتوجيه لا رجعة فيه بتبني القيم الليبرالية. بمعنى أن صندوق النقد الدولي يقوم في حقيقة الأمر بدور الحامي والضامن والمدافع عن ديون المصارف الغربية في الوقت الذي يردد فيه شعارات معلنة بأنه يدافع عن الدول الفقيرة ويسعى إلى مساعدتها وضمان عدم انهيار اقتصادها عبر تقديم القروض إليها (لمعالجة العجز المؤقت في موازين مدفوعاتها)، والعمل على (استقرار أسعار الصرف)، في مقابل تنفيذها لتوصياته حول (الخطوات التي تتخذها لتحسين وضع ميزان مدفوعاتها).