مع كل حادثة أليمة ومع كل تحطُّم لأي طائرة في العالم، نجد الباحثين والخبراء يشخصون بأبصارهم الى صندوق الطائرات الأسود، وهو في الحقيقة صندوق برتقالي أو أصفر اللون تميّز بهذا اللون ليتم تمييزه بسهولة بين حطام الطائرات، ولكنه وبغضِّ النظر عن لونه يحمل بين ثناياه المعلومات الميكانيكية والتقنية مثل مسار الطائرة وغيرها من المعلومات والتي تُحفظ في هذا الصندوق الذي لا يدخله حتى الضوء حفاظا على سلامة البيانات وهو ما جعله يُسمى بالصندوق الأسود، هو بالفعل صندوق يحمل أسرارا ومعلومات لا يُمكِن للشخص العادي الوصول اليها دون فك ألغازه وشيفراته المختبئة بين الاف القصص والروايات، فكرة هذا الصندوق هي فكرة مثيرة ومُتكررِة في حياتنا فالأطباء الصينيون مثلا يعتبرون باطن قدم الانسان وكفِه هي أيضا صناديق تحمل أسرار الجسم وأخباره الخفِية، اما المحاسبون المتخصصون فيرون ذلك في القوائم والبيانات المالية عبر كل ما فيها من تفاصيل وملاحظات، فهي ومن وجهة نظرهم الجندي المجهول في منظومتنا المحاسبية، التي وبالرغم من أهميتها الا ان القليل من المتابعين هم من يتمعنون بها فمعظمهم يبحث عن خلاصات وأرقام مثل الربح السنوي وقيمة القروض أو حجم الالتزامات دون الغوص في أسبابها ومصادرها، وهنا يأتي السؤال المُهم، فما هي القوائم المالية وما هي مكونتاها؟ ولماذا يتم اعدادها وما هي أهميتها؟ وكيف نستفيد منها كمتابعين ومستثمرين؟ أولا وقبل كل شيء فإنه يُمكن تعريف القوائم المالية بأنها مجموعة من البيانات المالية التي يتم عرضها على شكل تقارير مكتوبة ضمن قوائم مخصصة لتوضيح بيانات العمليات الخاصة بالشركة، مثل: أملاك الشركة والتزاماتها، إيراداتها ومصروفاتها وغيرها من المعلومات المتعلقة بطبيعة العمل وحركة الأموال، هذا وتُعد هذه القوائم المرجع المحاسبي الأول لأنشطة الشركة، حيث يتم اعدادها بناء لمبادئ محاسبية متعارف عليها عالميا، وهي بالتالي تهدف إلى عرض معلومات عن المكونات المالية الأساسية للشركة على أن تُعبِّر هذه المعلومات عن أعمالها وانشطتها خلال فترة مُحدّدة، فتوضح الوضع المالي للمؤسسة في وقت محدد مع الاخذ بعين الاعتبار آثار ما مرّت به الشركة من ظروف وعمليات سابقة، هذا وتتكون القوائم المالية لاي شركة من عدة أوراق مالية أهمها ما يلي: الميزانية العمومية: وهي عبارة عن بيان يوضح ما تملُكه الشركة من أصول أو موجودات مثل الأبنية والسيارات والأراضي بل وحتى النقود والحسابات البنكية والديون التي تم اقراضها للعاملين او للزبائن والعملاء بالإضافة للمخزون والبضائع الموجودة حاليا، وهي توضح أيضا ما يجب على الشركة تسديده لاحقا من التزامات مثل القروض والديون البنكية وحسابات الموردين الغير مُسدّدة بالإضافة للكمبيالات او الشيكات التي تم إصدارها ولم تُسدَّد بعد، بما في ذلك رأس المال وحسابات الشركاء والمساهمين، فهي باختصار كشف بأملاك وموجودات ومديونيات الشركة للآخرين من جهة وبالالتزامات والديون والمطلوبات الواجب سدادها من قِبل الشركة لجميع الأطراف من جهة أخرى. بيان الأرباح والخسائر او قائمة الدخل: وهو بيان صافي ارباح او خسائر الشركة عن فترة مالية معينة، حيث يتم في هذه الورقة بيان جميع إيرادات الشركة ومن ثم طرحِها من كل نفقاتها، للوصول الى قيمة الأرباح أو الخسائر المترتبة على أنشطة الشركة خلال فترة مُعينة. قائمة التدفقات النقدية: وهي بيان مُفصَّل وتوضيحي لحركة الأموال الصادرة أو الواردة للشركة، سواء كانت ناتجة عن نفقات أو إيرادات أو أرباح ناتجة من العمليات التشغيلية او غير التشغيلية مثل القروض والاستثمارات او حتى الدفعات المُقدّمة والمصاريف المُؤجّلة بما في ذلك جميع المقبوضات أو المدفوعات التي قامت بها الشركة أو أجّلت استلامها او سداداها لفترات قادمة. 2 / 2 وهنا يجب الإشارة الى أن الهدف من اعداد القوائم المالية هو توفير معلومات كاملة عن الشركة على أن تكون مفيدة لجميع المُهتمّين بمن في ذلك المستثمرون والمقرضون والدائنون الآخرون الحاليون منهم والمحتملون، بحيث تساعدهم هذه البيانات في اتخاذ قراراتهم المُتعلقة بتلك المنشأة مثل قرارات الاقتراض أو توزيع الأرباح، وكذلك تقديم أو تسوية القروض بالإضافة الى توضيح الوضع المالي والتشغيلي للمساهمين بحيث يستطيعون أخذ قرارهم النهائي لبيع او شراء أسهم الشركة، ولا ننسى الهدف الأهم من اعداد القوائم المالية وهو تقييم عمل الجهاز الإداري والوقوف على ما قام به من اعمال خلال الفترة بحيث يستطيع ان يُصحِّح اخطاءه او ان يستمر بنفس وتيرة العمل. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن القوائم المالية هي القلب النابض والعين الساهرة والمُراقب الأول والاهم للشركات، على ان يتم اعدادها بناء للقواعد المحاسبية الصحيحة وعلى ان يقرأها المستثمرون والمساهمون بكل تمعُّن وروِيّة، وانطلاقا من فكرة ان الشركات كالأشخاص ولأن شراء الأسهم يشبه الارتباط والزواج، فإنني استحضر أسئلة الاهل التقليدية للعريس قبل شراء أي سهم، فالسؤال الأول هو "أخبرنا بما تملك يا بني؟ وهل انت ملتزم بأي ديون؟" واجابته لأي شركة هو في "الميزانية العمومية"، أما السؤال الثاني وهو "كم دخلك الشهري وما هي مصاريفك الأساسية؟" فالجواب واضح وصريح عبر "بيان الأرباح والخسائر" وهو الذي يُظهر أرباحها وإيراداتها كاملة، والسؤال الأخير هو "بعيدا عن أي شيء كم يتبقى معك في نهاية الشهر؟ وكم تملك الان من نقد بين يديك؟" والجواب طبعا لن تجده الا في "قائمة التدفق النقدي" التي تكشِف المستور وتُظهِره، حقائق واعمال كثيرة تم تنفيذها تتلخص في كلمات وأرقام يجب ان تكون واضحة ومفهومة للجميع قبل قراراتهم المُتعلقة بأي شركة، وهنا استذكر مقولة "جيمس تشانوس" حين قال "أسميها قاعدة الثلاثة، فإذا قرأت البيانات المالية لشركة ما ثلاث مرات وما زلت لا تستطيع معرفة كيفية جني أموالهم، فعادةً ما يكون ذلك لسبب ما".