تحتاج مواجهة الفقر إلى فكر مبتكر وخلاق قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية المتمثلة في عولمة الأسواق وتنافسيتها، إدارة المخاطر وعدم اليقين السياسي والاقتصادي ناهيك عن التشبيك والقدرة على إقامة تعاون اقتصادي مثمر.
فنجاح المنظومة الاقتصادية وتوجيهها نحو القضاء على الفقر يتم بتناسق أهداف عناصر الاقتصاد من إنتاج، استثمار، استدانة، خدمات اجتماعية، بنية تحتية وإنفاق والعمل على تنسيق المقدرات الاقتصادية وإيجاد حلول حديثة لاستهداف الفقراء وإدماجهم في الدائرة الاقتصادية، كما حصل في البرازيل عندما تم إلزام الأسر بتعليم أبنائهم وربط نجاحهم الدراسي بالدعم الموجه للفقراء أو حالة دول أخرى كتايلاند وإندونيسيا التي تشجع الطلاب المتفوقين على الابتكار وإنشاء مقاولات وتعطيهم حصصا سوقية من المشاريع الكبرى شريطة توظيف الكفاءات المحلية.
وهنا، لابد من التوقف عند محورين رئيسيين لتجاوز الفقر في العالم العربي وهما الابتكار والإدارة. فبداية هناك حاجة ماسة للابتكار والإبداع في الدول العربية، فامتلاك التقنيات والأجهزة غير كاف لإقامة نظام وطني للابتكار، بل هو تحديث سطحي يستلزم إرادة سياسية قوية وحركة مجتمعية فاعلة ومناخ أعمال مشجعا، يعملون على تصور شامل مدخله سياسي – ثفافي وناتجه اقتصادي لبناء اقتصاد معرفي قوي. كما يستلزم الأمر امتلاك القيم العلمية والثقافية التي تدفع بتطوير البنى الإنتاجية والمرتكزات المعرفية، الأمر الذي يسائلنا عن العقل العربي والنهضة المعرفية. إن الخروج من براثن الفقر المعرفي إلى آفاق الابتكار يستدعي وجود سياسة علمية رصينة تكون حرية التفكير والتعبير ركن الزاوية فيها. تسعى بذلك إلى إعداد متكامل للناشئة وتحفيز للإبداع والابتكار، معتمدة في ذلك على تحسين جودة التعليم عبر أساليب متجددة تصقل ملكات التنقيب والاستكشاف والقيادة لدى المتعلمين، وإسهامها في رسم معالم جديدة للهياكل الاجتماعية والسلوك الاقتصادي والأداء المؤسساتي بالعالم العربي.
وفي ذات السياق، يحتاج الابتكار إلى إدارة ذات كفاءة عالية وقطاع عام مرن قادر على تدبير شؤون البلد ورعاية مصالح المواطنين وتسيير خدماتهم الاجتماعية. كما يستوجب الأمر إدارة متطورة قادرة على مواجهة الأزمات، التحديات الزمنية، التخطيط الإستراتيجي وتأهيل الموارد البشرية بالكفاءات اللازمة للقيام بمشاريع قوية، مضبوطة ماليا، خاضعة للمراقبة والتدقيق، مسوقة بشكل احترافي ومتمكنة من نظام لليقظة يساعدها على استباق الأحداث المستقبلية.
وختاما، فالقضاء على الفقر لن يتم فقط ببرامج اقتصادية بل يحتاج إلى روح ابتكارية تفاؤلية ونمط تفكير مغاير يحث على الاكتشاف، الاقتراح والإبداع، ولابد من دور بارز للثقافة، الفن والإعلام في إحداث هذا التغيير الفكري.