هنالك موضوع يميز القارة الأمريكية اللاتينية هو تحركها بشكل دائم مما يشير إلى حيوية كبيرة فيها. فـ «الحركة بركة» كما نقول ضمن أمثلتنا العربية. فدول أمريكا اللاتينية حققت في فترات مختلفة متتابعة وعبر تقلبات كبيرة نموا مرتفعا ثم ركودا عبر إنتاجية مرتفعة ثم فساد كبير أدى إلى انهيار أكبر. تتأثر بأسعار المواد الأولية المتقلبة من ذرة وزيوت ومعادن ونفط وسلع غذائية وغيرها. تنحدر هذه الأسعار مؤخرا نتيجة ضعف الطلب وزيادة العرض. عندما خف النمو الصيني تحديدا، انحدرت أسعار المواد الأولية مما سبب تعثرا في اقتصادات البرازيل والبيرو والأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا. رغم تنوع اقتصادات أمريكا اللاتينية، تبقى مرتبطة بأسعار المواد الأولية. فقط المكسيك لم تتأثر كغيرها لأنها بفضل اتفاقية «النافتا» التي يعترض عليها الرئيس «ترامب» ويريد التفاوض مجددا حولها، نوعت اقتصادها جيدا. وقعت اتفاقية «نافتا» بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في آخر سنة 1993. اعتقد الرئيس كلينتون أن هذه الاتفاقية التجارية ستكون الأهم في العالم وستخلق 200 ألف فرصة عمل في أمريكا قبل سنة 1995. بسبب الاتفاقية، ارتفعت التجارة بين الدول الثلاث من 290 مليار دولار في سنة 1993 إلى 1.1 ألف مليار دولار في سنة 2016. ارتفعت الاستثمارات الأمريكية في المكسيك من 15 مليار دولار في سنة 1993 إلى 108 مليارات دولار في سنة 2014. تشير الأرقام إلى نجاح الاتفاقية. يعترض عليها «ترامب» لأنها في رأيه حولت العديد من الاستثمارات من الولايات المتحدة إلى الجار الجنوبي. لا تدعم الدراسات والإحصاءات مواقف ترامب بل تنقضها. أسوأ ما يميز اقتصادات أمريكا اللاتينية هي فجوتا الدخل والثروة الكبيرتان. تتعثر الموازنات مع تقلب أسعار المواد الأولية مما يقيد إمكاناتها من ناحية الإنفاق. في كولومبيا يبلغ العجز المالي 3% من الناتج المحلي وهنالك أمل كبير بالمستقبل مبني على اتفاقية السلام. في الأرجنتين يبلغ العجز 7% من الناتج ولن تستطيع حكومة الرئيس ماكري إنقاذ المال من دون الاستثمارات. في البرازيل، يساوي العجز المالي 10% من الناتج علما أن مشكلة الدولة هي الفساد مع إقالة الرئيسة وعودة النمو السلبي إلى 4%. أوضاع فنزويلا لا تحسد عليها، أما المكسيك فتعاني من عجز مالي يقدر بـ4% من الناتج. ما يميز المكسيك هو جذبها أكثر للاستثمارات الخارجية. يجب أن تحاول الدول الأمريكية اللاتينية تشجيع صادراتها عبر تنويع إنتاجها وإيجاد أسواق جديدة. حسابات الميزان الجاري عاجزة أي 6.5% من الناتج في كولومبيا، 3% في الأرجنتين و3% في المكسيك. يمكن أن تتكل أكثر على السياحة، وهي قارة جميلة وتتمتع بكافة الغنى السياحي البشري والمادي. إنقاذ القارة يعتمد على تطوير اقتصاداتها وتنويعها، إذ أن الاتكال على المواد الأولية مضر. لا يمكن رفع النمو الاقتصادي من دون رفع الإنتاجية المرتكزة على التجدد، التعليم، الفعالية القطاعية والبنية التحتية. لن تتحقق هذه الإنجازات من دون تعاون القطاعين العام والخاص.