الرقابة الصارمة تجفف منابع الفساد

تعد أجهزة الرقابة على المال العام، واحدة من أهم الصيغ الحديثة المعتمد عليها لمكافحة الفساد وضبط الاحتيال على المال العام وتسرباته غير القانونية، والحفاظ على هيبة الدولة ونظامها الأساسي، من خلال التدقيق على الحسابات وبنود الدخل والإنفاق ومراجعة القرارات والسياسات التي تقرها وتتخذها وتعتمدها مؤسسات الدولة والشركات والهيئات التي تشرف عليها الحكومة، وتقييم مدى مطابقتها وتطبيقها للأنظمة واللوائح والنصوص القانونية، وإعداد تقارير دورية متخصصة تحتوي على التجاوزات المرصودة والمضبوطة، ويعتد بها - أي أجهزة الرقابة - كمؤشر أساسي ومعيار مهم تعتمد عليه المؤسسات والهيئات الدولية لتصنيف الدول في مجال مدركات الفساد والشفافية... وأجهزة الرقابة التي تتمتع بصلاحيات قوية، واستقلال إداري ومالي كامل، وحماية دستورية ودعم من قبل النظام السياسي وتعمل على تشجيع وتحفيز المجتمع عبر نوافذ آمنة ومهيأة للإبلاغ عن الشكاوى والمخالفات المالية والإدارية... ستتمكن من استرجاع الأموال المنهوبة إلى الخزانة العامة للدولة، وتعزز ثقة المجتمع في مؤسساته الرقابية، وتردع المفسدين ولصوص المال العام وتقتل نواياهم وتخمد شهواتهم قبل أن تنمو فتصل إلى الفعل، وتطمئن المستثمر الأجنبي في قوة وسلامة المنظومة التشريعية والثقة في استقرار البلد ومستقبله الآمن وتسهم في جذب المزيد من الاستثمارات... ويبدو أن لدى الدول الخليجية الجدية في تعزيز وتقوية أجهزتها ومؤسساتها الرقابية والكشف عن الفساد والمفسدين، وتعزيز قيم الشفافية والثقة، وفقا للإعلانات والبيانات التي تنشرها وسائل الإعلام، يدفعها إلى ذلك تفشي مظاهر الفساد والاعتداء على المال العام والتطاول على القانون، وإلحاح المجتمعات الخليجية ومطالباتها وتوظيف وسائل التواصل - التي تحولت بحق إلى سلطة رقابية مجتمعية فاعلة – بالضغط لتجفيف منابع الفساد وتفعيل أدوات ووسائل الرقابة والمساءلة والمحاسبة والشفافية. المشروع الذي تم اعتماده في سلطنة عمان، على ضوء رؤية ٢٠٤٠، يسعى إلى "تحقيق منظومة التشريع والقضاء والرقابة"، ويهدف إلى "تعزيز وحدات التدقيق الداخلي بالجهات الحكومية"، و"بناء نظام رقابي شامل يحمي المقدرات الوطنية ويحقق المبادئ الرقابية من خلال تفعيل وتطوير أعمال وحدات التدقيق الداخلي وتمكينها وتدريبها والوقوف على التحديات التي تواجهها لضمان استقلاليتها لأداء مهامها الرقابية"، ويرتكز المشروع على، أولا: "إعداد خطة لتأهيل الكوادر البشرية بوحدات التدقيق الداخلي بالتعاون مع الرقابة المالية والإدارية للدولة"، ثانيا: "إعداد نموذج موحد للتقارير السنوية"، ثالثا: "دراسة المتطلبات القانونية لتعزيز استقلالية وحدات التدقيق الداخلي". وقد احتفى المجتمع العماني قبل أسابيع قليلة بالتقرير الملخص الذي أصدره "جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة" ونشرته وسائل الإعلام، بـ "نتائج أعماله لعام 2020"، والذي أشار إلى حجم "المبالغ التي تمَّ تحصيلها واستردادها خلال الخطة الخمسية التاسعة"، التي بلغت "580 مليون ريال عُماني"، حصيلة لتعامله مع عدد "207 من القضايا، بالتنسيق مع الادعاء العام والتي صدرت بشأن بعضها أحكام قضائية وأخرى لا تزال قيد الإجراءات"، وتراوحت تلك القضايا بين اختلاس أموال عامة، وقضايا فساد وتزوير ورشوة، وإساءة استعمال الوظيفة وتبديد أموال عامة... والأمل بأن تشهد المرحلة القادمة تعزيزا وتطويرا في أعمال الرقابة ترهب وتحاصر الفساد والمفسدين.