نستكمل اليوم ما أشرنا إليه سابقاً في الأسبوع الماضي عن صندوق الثروة السيادي النرويجي الأكبر من نوعه في العالم كنموذج لنجاح تجربة إدراة النفط، ونطرح اليوم إستراتيجية دولة النرويج في الحصول على نمو اقتصادي مستقر رغم تذبذب العوائد النفطية من خلال عدة نقاط: * أولاً: دعم القطاع الخاص بقدر دعم القطاع الحكومي، فالاقتصاد النرويجي هو اقتصاد مختلط يمزج بين حصة الحكومة وحصة القطاع الخاص في الاقتصاد، حيث توفر الحكومة مستشفيات ومدارس مجانية كما أن معظم شركات النفط مملوكة للحكومة ونسبة الشركات المدرجة في سوق الأسهم حوالي 30% تابعة للحكومة، وقد تم تصنيف النرويج في مراتب أولية في عدة مؤشرات دولية في عام 2015 مثل مؤشر البنك الدولي لسهولة أداء الأعمال حصلت فيه على المرتبة 6 من أصل 176، ومؤشر التنافسية حازت على المرتبة 11 من أصل 148 دولة. * ثانياً: الإنتاجية، فالشعب النرويجي شعب منتج بمعدلات عالية وبمعدلات بطالة منخفضة جدًا جعلت الشعب يعيش حياة مرفهة بالاعتماد على العمل والإنتاج وليس على النفط، ففي عام 2014 سجل معدل البطالة 3.8% وهو الأقل بين دول الاتحاد الأوروبي، كما قامت الحكومة بتخفيض سن التقاعد لفتح فرص أكبر للشباب. *ثالثاً: إدارة رشيدة للإيرادات النفطية حيث قامت الحكومة بفصل الإنفاق الحكومي عن إيرادات الصندوق السيادي تمامًا، والإنفاق فقط من أرباح الصندوق الذي تتوزع استثماراته بين أكثر من 10000 شركة حول العالم في إستراتيجية استثمارية تضمن التنويع في الاستثمار وعدم المخاطرة. وقد حددت النرويج سقفاً بمقدار 4% من القيمة الإجمالية لموجودات الصندوق بالعملة المحلية لما يمكن أن تستخدمه سنويًا من موارد الصندوق في تمويل الإنفاق الحكومي أو في تخفيض الضرائب، واستفادت الحكومة من تحديد سقف السحب من الصندوق السيادي من خلال حد قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق تبعًا لزيادة إيرادات الموارد، فلا ترتبط بارتفاع إيرادات النفط بعد ارتفاع الأسعار أو بخفض الإنفاق بعد انخفاض الأسعار. * رابعاً: اقتصار تمويل الإنفاق الحكومي من عوائد استثمار الصندوق فقط وليس على الإيرادات نفسها وهذا يعني عدم استهلاك إيرادات النفط بشكل مباشر بل تقوم باستثمار الإيرادات في أصول مالية وعقارية متنوعة المخاطر ذات عوائد مستقرة ودائمة. وختاماً.. فإن تجربة النرويج في إدارة الموارد وصندوقها السيادي لم تكن لتنجح لو لم تكن النرويج دولة صناعية متقدمة قبل اكتشاف النفط. وحتى بعد اكتشاف النفط، قضت النرويج عدداً من السنوات في استخدام الموارد النفطية في الإنفاق على زيادة تنافسية الاقتصاد المحلي والتهيئة لمناخ اقتصادي جذاب قبل أن تبدأ في تجميع الثروات في الصندوق. وبذلك ننصح أن تركز الدول العربية النفطية على تنمية اقتصادها المحلي قبل التوجه للصناديق السيادية، وعدم التشبث بتجربة صندوق النرويج بشكل مطلق، لأنه لا توجد قاعدة واحدة صالحة للجميع.