إعادة النظر في النظام الدولي الجديد

يتكئ المتفائلون في نظرتهم لنجاحات وقوة النظام الرأسمالي على جملة من القراءات من أهمها: "النمو المتسارع في الصين"-"الالتقاء مع بعض القيم المهمة والأساسية والتي تتسم بطابع ليبرالي واضح، تشمل اقتصاد سوق عالمية يمكنه تعزيز النمو والتطوير الاقتصاديين، ومبادئ سياسية ليبرالية أساسية، بينها سيادة القانون"، وباختصار فقد "تحقق قدر من التقدم الليبرالي الاقتصادي والسياسي بعد نهاية الحرب الباردة، ولابد أن توضع هذه الحقيقة موضع الاعتبار". ولكن في المقابل لابد من الاعتراف بأن هذه المبادئ الليبرالية ما هي إلا "كيانات دينامية قد تتمكن أو لا تتمكن من مجابهة التحديات الرئيسية في كوكب معولم"، بالنسبة إلى معظم المتشائمين فيرون أن "النظام العالمي للدول ذات السيادة فوضوي؛ فهو يفتقد سلطة واسعة النفوذ"، وأصبح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مختل التوازن و"أكثر عرضة لتفجر الصراعات". ويرى "يورغ سورنسن"، أن أهم دعامات النجاح لأي نظام دولي، تفرد القوة التي تترأسه أو تقوده بهامش مقبول من الاحتكار في الإنتاج وفي عدد من المجالات الاقتصادية بل وحتى في تحديد مسار النظام، ولكن الاحتكارات في النظام "الاقتصادي المعولم" "تتحلل ذاتيا بمرور الوقت لأن منتجين جددا يدخلون السوق العالمية. ومع تراجع ربحية المنتجات الرئيسة يكف الاقتصاد العالمي عن النمو ويدخل مرحلة ركود، ويزيد الأزمة احتداما عنصران اضافيان: من ناحية تزايد كلف الإنتاج "العمالة، والمدخلات، والضرائب"، ومن ناحية أخرى الضغط الإضافي على النظام، الناشئ عن النمو في الصين وفي بقية آسيا، الذي يعود إلى "التوسع المفرط في توزيع فوائض القيمة". وبنحو عام لقد دخلنا فترة تأزم بنيوي لم يعد في وسع النظام الرأسمالي فيها أن يقوم اعوجاجه"، ويؤكد الكاتب أن "السيطرة العالمية للولايات المتحدة سوف يحل محلها شيء آخر، وليس واضحا بعد، على نحو كامل، ما هو ذلك الشيء الذي سيحل محلها، قد يكون نظاما تعاونيا لما بعد الهيمنة، تتفق فيه الدول على تعاون سلمي من أجل منفعة متبادلة، وقد يكون عالما يحكمه التنافس المفتوح بين مراكز قوى متصارعة".  مضى "يورغ سورنسن"، قدما في شرح معالم تشكل النظام الدولي الرأسمالي وتطوره وما شهده من نجاحات وإخفاقات، وقدم تصنيفا للدول التي تدخل في أنماطه الرئيسة من حيث قدراتها وتفوقها ونجاحاتها في تطبيق مبادئ الليبرالية أو تخلفها والأخذ بهذه المبادئ في إطارها الشكلي دون تطبيق على أرض الواقع ولا في ممارساتها السياسية - الاقتصادية والتي ما تزال بعيدة عن النموذج، وهذا التصنيف يقدمه الكاتب على النحو التالي: "الدول الرأسمالية المتقدمة في شمال الكوكب، والدول على طريق التحديث، مع تركيز على الصين وعلى دول البريكس الأخرى، والدول الضعيفة في جنوب الكوكب.  وكل أنماط الدول هي هشة بمعنى أن لديها مشكلات تتصل بالتماسك الاجتماعي - السياسي، ولهذا السبب يعترض التطلع إلى تأمين العيش الكريم لكل الناس صعوبات متفاقمة في أغلب البلدان"، وتراوح بعض الدول مكانها في المزج بين التقليدي في تشغيل بعض القطاعات الاقتصادية، والتقدم في بعضها مسايرة البلدان الليبرالية المتطورة، فالهند، مثلا "يقوم الاقتصاد فيها على قطاع كبير من الزراعة التقليدية، وعلى قطاع حضري غير رسمي بسيط، لكن البلد يمتلك أيضا عناصر أكبر من بنية صناعية حديثة"، فيما يشل الفساد دولا أخرى تسعى قدما للأخذ بمبادئ النظام الرأسمالي، كما هو الحال في "النسخة الصينية الراهنة من الرأسمالية البيروقراطية، حيث تحتل الصين المرتبة الثمانين على مؤشرات مدركات الفساد".