القوة والضعف كلمتان متناقضتان، تحمل كل منها بين حروفها أسراراً كثيرة عن أسباب النصر أو الهزيمة، المسافة بينهما متباعدة بنفس قدر المسافة بين الفشل والنجاح، ولكن وبالرغم من ذلك، فإنهما متلازمتان، بل وقد تنتج إحداهما عن الأخرى، فلو كانت الأعمال تسير فقط بمنطق القوة، لما كان للضعفاء أي فرصة للعمل او النجاح، بل لكان الضعفاء وفي مقارنتهم اليومية مع الأقوياء، وبسبب خسائرهم المتتالية يتناقصون يوميا وبلا توقف حتى ينقرضوا، وفي النهاية كنا سنصل إلى شركة واحدة مكتملة القوة تشبة الى حد كبير الشخصيات الكرتونية الخيالية والخارقة والتي تسيطر وحدها على كل سوق من أسواق السلع او الخدمات. و هنا يظهر السؤال المهم، فما هي القوة الاقتصادية؟ وما هي مقوماتها؟ وكيف تبنيها الشركات؟ أولا، و قبل كل شيء فإن القوة الاقتصادية للشركات تعني امتلاك الشركة للمقومات الاقتصادية الأساسية لنموها وتطورها، سواء من الناحية التجارية، أو الصناعية، أو حتى على الصعيد الزراعي، والتي تتمثل في وجود ثروات ومقدرات مالية وتكنولوجية وحتى فكرية ذات كفاءة عالية مما يمنحها القدرة على تحقيق أهدافها المتنوعة والتي يأتي على رأسها الربح المالي والانتشار بحيث تصبح نموذجا اقتصاديا قويا قادرة على قيادة الأسواق و مواجهة التحديات والتغيرات المختلفة. أما بالحديث عن أهم مقومات القوة الاقتصادية فإنها تتمثل في عدة نقاط أهمها ما يلي: الملاءة المالية وتوافر الموارد والقدرات المادية الكافية، فرأس المال وطريقة تدويره يعتبر عاملا مهما وأساسيا لتطوير وتنمية الأصول الأخرى التي تملكها الشركة، وهو ما يساعد على التنوع والتنافسية ويساهم بشكل مباشر في تطوير قطاع الأعمال، كذلك فإن رأس المال البشري والمعرفي و تبادل الخبرات يعد قيمة مضافة هامة لتحقيق القوة والثبات وهو ما يضيف بعداً خفياً آخر لقوة الشركة، فهو فعال وحاضر دائماً، كذلك فإن التكنولوجيا والعلوم الحديثة تلعب دوراً مهماً في تحسين الأداء، وبالتالي الحصول على الفعالية والكفاءة المطلوبة، خاصة في ظل التطور السريع لقطاع التكنولوجيا والاتصالات والذكاء الصناعي. ولا ننسى أيضا التنظيم والتخطيط الإداري الصحيح والسريع والذي يجب أن يكون مبنيا على سياسة تشغيلية واضحة يعمل فريق العمل على تحقيق أهدافها بقلب رجل واحد، وهو ما يساعد الشركة على استغلال مواردها المختلفة بشكل أمثل وبطريقة فعالة، وهنا تجدر الإشارة الى أن تدريب وتأهيل العاملين ووضع سياسات تحفيزية لهم قد يكون هو المحرك الأهم للوصول للأهداف النهائية بأفضل وأسرع الطرق، فالشركات ذات القوة الاقتصادية هي التي تستطيع استخدام أدواتها المالية والتشغيلية والإدارية بما في ذلك قدرات وأفكار موظفيها بشكل مثالي وبطريقة صحيحة. ومن ناحية أخرى، فإن الصدق والوضوح في التعامل والوفاء بالتزامات العملاء والموردين في الوقت والجودة المناسبين، وكذلك التحلي بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه الموظفين والمجتمع يساهم بشكل رئيسي في خلق علاقة وطيدة بين الشركة وجميع المتعاملين معها وهو ما يساهم في خلق بيئة إنتاجية متكاملة قائمة على التعاون والرغبة في تحقيق الأهداف، وهو برأيي قوة كبيرة غير ملموسة لأي شركة في مواجهة أي منافسة أو تحدٍ خارجي. وأخيرا، وبرأيي الشخصي، فإن لكل شركة نقاط قوة وضعف، ولكن معرفة المسؤولين في أي شركة لنقاط قوتها وعملهم الدؤوب على تحسين نقاط الضعف مع وجود نية صادقة وإرادة حقيقية مدعومة بالعمل الجاد والمبني على العدالة والمرونة في التعامل مع الآخرين، بالإضافة إلى تحفيز العاملين وتأهيلهم بالشكل الصحيح وتوفير ما يحتاجونه من أدوات وامكانيات لتطوير العمل، مع بناء نظام إداري ورقابي قوي قائم على سياسات تحفيزية متساوية على أن يوفر حالة من التواصل المباشر والفعال بين جميع العاملين، وكذلك المتابعة المستمرة والفعالة لكل تطورات التكنولوجيا الحديثة مع استغلالها بشكل صحيح لتوفير الجهد والوقت، قد يكون هو المفتاح السحري لأي شركة لتحقيق قوة ومتانة اقتصادية تجعلها قادرة على النمو والاستمرار، بل وحتى الوصول للنجاح والتفوق، وهنا أتذكر مقولة الفيلسوف الأمريكي "دانيال دينيت"، حين قال "نحن لا نختلف عن أسلافنا القدامى جينيا، بل نمتلك نفس الجينات، نفس العضلات، نفس الأدمغة، اختلافنا عن البشر قبل عشرة آلاف عام هو في أدوات التفكير التي نمتلكها الآن والتي جعلتنا نمتلك القوة الكافية لغزو الكوكب والسيطرة عليه".