يبقى التضخم داء كبيرا ومؤلما حيث يفقر الجميع وخصوصا أصحاب الأجر المحدود. لمحاربة التضخم دون زيادة الفوائد، يدعو «ميلتون فريدمان» إلى ضبط نمو الكتلة النقدية. التضخم هو داء العصر وأصبح هدف الحكومات بالرغم من المشاكل الأخرى. ضرب التضخم يؤدي إلى رفع الإنتاجية في الاقتصاد. في نيوزيلاند مثلا وضعت الحكومة هدفا هو مؤشر التضخم واعتمدت رفع الفوائد للوصول إليه. للأسف تم تسديد التكلفة عبر البطالة التي وصلت إلى 11% وهي نسبة مرتفعة جدا. في السابق، دعم المصرف المركزي الأمريكي سياسة محاربة التضخم عبر رفع الفوائد التي وصلت إلى 20% وهي نسبة قاتلة للاستثمارات فارتفعت البطالة. فشل الحاكم السابق بول فولكر الذي توفي مؤخرا في ضرب التضخم والبطالة سويا لأنه اعتقد خطأ أن ضرب التضخم هو أفضل الطرق لضرب البطالة. برر الرئيس كارتر وقتها التضخم بالهدر الذي يمارسه الأمريكيون حيث المجتمع استهلاكي بامتياز مما يجعل الناتج المحلي الإجمالي معتمدا بنسبة 80% على الاستهلاك. أما ريغان بعده، فاعتمد رأيا مخالفا أي أن مصدر التضخم هو الهدر القائم في القطاع العام بسبب سوء الإدارة والفساد وبالتالي تجب معالجته في العاصمة واشنطن وبدأ منها. وصل الاقتصاد الأمريكي في السبعينيات إلى أوضاع سيئة أي تضخما وبطالة في نفس الوقت مع ضعف في النمو. كذلك كان الوضع في بريطانيا مما فرض سياسات متجانسة مع أمريكا. لذا بدأ المصرف المركزي الأمريكي في تخفيض الفوائد فارتفع النمو بدءا من الثمانينيات مما سمح للتجديد لريغان في سنة 1984. تتبدل السياسات الاقتصادية الأمريكية دائما عندما تنتقل الإدارة من حكومات ديموقراطية إلى أخرى جمهورية والعكس بالعكس. يفضل الديموقراطيون عموما التوجه نحو ضرب البطالة، أما التضخم فهو عدو الجمهوريين الأول بالرغم من بعض الاستثناءات تبعا للأشخاص والظروف والإمكانات. ماذا أنتجت هذه السياسات المختلفة بعد عقود من التطبيق المستمر وإن تعدلت من وقت لآخر؟ لا شك أن العالم انتصر على التضخم كما تشير الإحصائيات الحديثة. في الدول الصناعية انخفض مؤشر التضخم من 9% في فترة 80 - 84 إلى 2% في فترة 2000 - 2006. في الدول النامية، انخفض من 31% إلى 7% في الفترة نفسها. لا يمكن قول نفس الشيء بالنسبة للبطالة التي تبقى عموما مرتفعة. في الدول الصناعية، كان معدل البطالة بين سنتي 1992 - 2007 حوالي 7% أي ضعف النسبة التي كانت بين سنتي 1959 و1975. من أسبابه سوء توزع الدخل والثروة التي أثرت سلبا على الاستثمارات وبالتالي على العمالة كما ضربت الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ساهمت سياسات الفوائد كما التخفيضات الضرائبية على الأغنياء في توسيع الشرخ الذي أضر بالفقراء. في أمريكا 10% من الأسر يملكون 72% من ثروة الاقتصاد والأرقام أخطر في الدول النامية والناشئة مما يسبب اليوم كل هذا الغضب الشعبي في أوروبا وغيرها. محاربة التضخم دون النظر بعناية إلى المشاكل الأخرى مضر ويجب التوازن في كل شيء.