الخسائر التي لحقت بعملة البتكوين الافتراضية الأسبوع الماضي ليست نهائية ولا حاسمة، فحركة التاريخ تقول بوضوح إن المستقبل يمضي في اتجاه تعامل نقدي إلكتروني بالكامل وأنه لن يتسع لمزيد من البنكنوت الورقي وأعبائه وقيوده وتلوثه. صحيح أن الطريق لا يزال طويلا أمام فجر يستطيع فيه الفلاحون والعمال في قيعان مدن الكوكب وقراه النائية بيع وشراء الخبز والخضروات بالبتكوين أو ما شابهها من عملات افتراضية ولا يمانعون فيه من تلقي أجورهم بها والسحب والإيداع على أرصدة رقمية يحملونها في هواتفهم النقالة أو ما قد يستجد من أجهزة إلكترونية تفي بالغرض.. إلا أن خيول الحلول التي ستقطع هذا الطريق الطويل على حوافر البحث والتجريب والتطوير قد انطلقت من عقالها ولا تملك قوة على وجه الأرض إيقافها أو عرقلتها أو حتى التحكم في سرعاتها أو السيطرة على مساراتها. وإن كان هناك ثمة مكذب فليسال نفسه.. هل عادت البشرية إلى نظام المقايضة السلعية بالكامل بعد اكتشافها مزايا النقد التقليدي وتعودها عليه؟ بالطبع لا.. ولن تفعل، وكذلك الأمر بالنسبة للتحول من نظام النقد التقليدي السائد حاليا إلى نظام النقد الإلكتروني الذي يمثل البتكوين ذروة سنامه والذي يوشك أن يسود ويتسيد. ما الذي سيجعل العالم مضطرا إلى تحمل الكلفة المادية والمعنوية الهائلة في طباعة وإنتاج آلاف الأطنان من الأوراق النقدية التي لا تحمل في ذاتها أي نفع أو جدوى طالما أصبح ممكنا من الناحية الفنية البحتة تفادي ذلك والاسنغناء عنه؟ لقد لبست كثير من المنتجات والخدمات ثياب تبديها الإلكتروني الافتراضي فما الذي سيحول بين النقود وبين أن تفعل ذلك؟ ماذا تريد أن تشتري؟، كتابا؟، خذه في صورة ميغابايتات على كمبيوترك أو هاتفك، ألبوما غنائيا؟ لعبة لأطفالك؟ تريد استئجار «صالة» لعرض منتجاتك أو خدماتك؟ كل ذلك وغيره كثير متاح بشكل افتراضي وليس فيزيائيا فلماذا لا يكون الثمن، وهو مفهوم أكثر إيغالا في الرمزية من السلعة بطبيعته، افتراضيا أيضا؟ انجذاب العالم نحو طريقة جوتنبرج في الطباعة الورقية فتح مجالات أفقية ورأسية للمعرفة لم تكن مسبوقة قبل هذا الانجذاب وأسس لواقع إنساني جديد مختلف بالكلية بل إن الواقع الاقتصادي الحالي والذي استمر عشرات القرون لم يكن إلا نتيجة لانجذاب الناس نحو طريقة لتداول السلع والخدمات تحتلف عن فكرة المقايضة. أما عن الأسباب المتعلقة بموازنات العرض والطلب وبالأنشطة والاستخدامات غير المشروعة للأموال فذلك سجال إستراتيجي مزمن لا يرتبط بالتحديد بأي لحظة معينة أو نظام نقدي محدد ولا يصلح بالتالي للجزم بأن العملة النقدية الافتراضية مجرد فقاعة وستزول. السير في الطريق إلى عالم بلا بنكنوت قد بدأ بالفعل وهو جزء من السير في الطريق إلى عالم بلا أوراق، بلا كتب بالمعنى الفيزيائي وبلا أرفف مكتبات، فكلما اتسعت آفاق التكنولوجيا زاد العالم رحابة.