بين الحقوق والإمكانات

هنالك دائما صراع في المجتمعات بين الحقوق الاجتماعية والإمكانات المادية، الحقوق واسعة ومتشعبة لكن الإمكانات تبقى دائما محدودة تبعا للإيرادات والسياسات. هنالك مأزق تقع فيه كل الحكومات، أي كيفية التوفيق بينهما. من مساوئ اتفاقية «ماستريخت» التي أنشأت منطقة اليورو أنها حددت فقط أهدافا مالية واقتصادية للمنطقة، وتجاهلت المشاكل الاجتماعية كالهجرة والحقوق والعدالة كما المساواة. يقول الاقتصادي «أمارتيا سن» إن المأزق يقع دائما بين هدفين فاضلين وليس بين هدف جيد وآخر سيئ. لا يقتصر الموضوع فقط على الاختيار بين الحقوق والإيرادات، بل يجب تقييم أي سياسة اجتماعية تبعا لتأثيرها على التضخم والنمو. الطريقة الوحيدة لحل هذه الأمور هي الحوار العلني العام كما يقول الاقتصادي «فرانك نايت». يقول الاقتصادي «جايمس بيوكانان» الحائز على جائزة نوبل إن الديموقراطية هي الحكم عبر النقاش والحوار. يتم النقاش العلني الحضاري في المؤسسات أي في المجلس النيابي أو الحكومة أو عبر الوسائل الإعلامية والسياسية المعروفة. من أبرز الكتب التي عالجت مشكلة العدالة وتوزع الدخل والثروة هي «رأس المال في القرن 21» للاقتصادي «توماس بيكيتي». في العموم هذه الكتب لا تبيع لأنها تقنية وجافة وبالتالي تبقى محصورة في مجتمعات معينة ربما أكاديمية. إلا أن كتاب بيكيتي باع 2,2 مليون نسخة مترجمة إلى 30 لغة، وهذا فريد ويؤشر إلى اهتمام المجتمع الدولي بالعدالة والفقر والاستقرار الاجتماعي. مشكلة سوء العدالة تفاقمت مؤخرا وإن كانت موجودة سابقا. سوء توزع الثروة أخطر وأكبر من سوء توزع الدخل والاثنان مترابطان. انتقال الثروة عبر الوراثة من دون ضرائب على الثروة والإرث، كما ينتقد بيكيتي، يساهم في تجميع الثروة في أسر قليلة. ينتج عن مركزية الثروة نفوذ سياسي كبير يساهم في تعزيز أوضاع الأغنياء عبر القوانين والحوافز وحتى الدعم المادي المباشر. لا ننكر طبعا مساهمة الأغنياء في تمويل العلوم والآداب والتعليم مما يساهم في بناء المجتمعات وتطويرها. السياسات الاقتصادية التي اعتمدت عالميا خلال العقدين السابقين ساهمت في توسيع فجوة الدخل وعززت أوضاع الأغنياء خاصة في الولايات المتحدة. كانت بعض النظريات تقول إن تخفيض النسب الضرائبية على الأغنياء يدفعهم إلى الاستثمار وبالتالي تخفيض البطالة وهذا ما لم يحصل. توسعت الفجوة وزاد البؤس والفقر في أهم مدن العالم، فتحرك الشارع في فرنسا وهونغ كونغ ولبنان وغيرهم. وضعت أيضا سياسات اجتماعية أضعفت النقابات وبالتالي صوت العمال، مما ساهم في إضعاف موقفهم والسماح باستغلال حقوقم. السلبية التي أظهرها الرئيس الأمريكي السابق بشأن الأجناس والأعراق وتجاه الطبقات غير الميسورة حمست المجتمع العادي على الاهتمام بموضوع العدالة. يسعى الرئيس بايدن إلى تصحيح هذه اللغة عبر قرارات جديدة وأخرى تلغي القرارات السابقة. ربما العالم تقدم أو تطور في الظاهر، لكننا في العمق نبقى عالما قاسيا مقسما من دون قلب أو بقلب لا ينبض بالمحبة، كما تشير إليه كل الحوادث الداخلية الأخيرة في الولايات المتحدة وغيرها.