تتجه أنظار المراقبين الاقتصاديين في المملكة العربية السعودية إلى التعدين باعتباره بديلاً ملحّا عن النفط الذي يواجه أزمة ليس في الأفق القريب ما يشير إلى نهاية أمدها. وإذا كان التعدين - قبل الأزمة - خياراً إستراتيجياً ثالثاً للمملكة العربية السعودية بعد النفط والبتروكيماويات، فإنه اليوم، ونتيجة لانهيار أسعار النفط، يندفع نحو الأمام ليكون خياراً متقدماً على النفط على أقل التقديرات في هذه المرحلة. تتوقع هيئة المساحة الجيولوجية السعودية أن تتصدر المملكة قائمة الدول الموفرة لاحتياطيات بعض المعادن الخام، وكشفت عن امتلاكها عدة معادن كالذهب والفضة والبلاتين والنحاس والزنك والرصاص، إضافة إلى خامات النيوبيوم والتيتانيوم والليثيوم والعناصر النادرة، وكذلك اختزانها لأكبر احتياطي على مستوى العالم من معدن الفوسفات. هذه الوفرة في المعادن وظروف أزمة النفط دفعت المملكة لدعوة مستثمرين أجانب إلى اقتحام هذا القطاع، الذي يقدر حجمه بنحو 200 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز بكثير حجم الاستثمارات الحالية التي تقدر بـ40 مليار دولار فقط. بينما تقدر إيرادات المستثمرين الحاليين بنحو 4.8 مليار دولار، وأرباحهم بما يزيد قليلاً على ملياري دولار. في هذا الوضع فإن تصريحات بعض المسؤولين تبعث على الاطمئنان بشأن اختلاف طريقة التعاطي مع المعادن مقارنة بالنفط، فالاتجاه ناحية إنشاء صناعات للمعادن هو اتجاه إستراتيجي صحيح، بدلاً من بيع المواد الخام واستيرادها لاحقاً بأضعاف قيمتها، وهو تحول في التفكير الاقتصادي نأمل أن يتحول إلى ممارسة. ورغم كون التعدين خياراً مهماً ضمن خيارات الاستغناء عن النفط، إلا أن اللجوء إليه يكرر المخاوف من استنزاف الموارد الطبيعية، فهو مورد ناضب ولا ينسجم مع التوجه نحو الموارد المستدامة. وبمقدار أهميته تأتي ضرورة التوقف عند التحديات التي تواجهه والبيئة التي تحيط بدخول المعادن إلى واجهة المعترك الاقتصادي الذي تخوضه المملكة. ومن بين هذه التحديات: - مخاطر الاتجاه ناحية التعدين بشكل كبير، خاصة إذا كان التركيز ينصب على تصدير الخام منها، حيث تخضع الأسعار لقانون العرض والطلب، وبالتالي تكون عرضة للتقلبات، شانها شأن النفط، وهنا يمكننا استدعاء ما ذكره مسؤول في شركة «معادن» بخصوص الذهب، حيث أكد على "أن دراسات الجدوى لمشروع الآمار قامت على أساس 310 دولارات للأونصة ولكن في الوقت الحاضر (2002) انخفضت الأسعار إلى 252 دولارا للأونصة فأصبح المنجم غير مجد". - تردد رؤوس الأموال في الدخول إلى هذا القطاع، هذا التردد يبدأ من البنوك المحلية، حيث تجلى في الدعوة إلى التريث والمزيد من دراسات الجدوى قبل عمليات الإقراض. عدوى هذا التردد أصابت المستثمرين الأجانب أيضاً. - ضعف مخرجات التعليم، فأعداد الخريجين الذين تمكن الاستفادة منهم في قطاع البترول والمعادن لا يسد الحاجة. هذه الإشكالية تعد من أهم القضايا التي تجب معالجتها، فالدول المتقدمة تحرص على توجيه التعليم ناحية الاحتياجات العملية، والخطط الاقتصادية المستقبلية، وهذا ما نفتقر إليه. - توفير بنية تحتية متكاملة خاصة في مجال النقل لتساهم في وصول المواد الخام إلى المدن الصناعية، خاصة مع البعد الجغرافي للمكامن عن هذه المدن. - سن قوانين وتشريعات تسهل وتضبط إيقاع الاستثمار، كما تضمن عدم التضارب في الصلاحيات والمسؤوليات بين الجهات المتعددة المعنية بقطاع التعدين. خلاصة القول: إن الاستثمار في قطاع التعدين يجب أن يمر من خلال الاستفادة من تجربة القطاع النفطي، فالتجربة غنية وحافلة بمنعطفات لا شك أنها مفيدة في أي توجه اقتصادي جديد، والنجاح مرهون بالتخطيط الجيد ومشاركة جميع الوزارات والمؤسسات المعنية بما فيها النقل والكهرباء والتعليم والصناعة والبيئة وغيرها. كما لا يفوت التأكيد على أهمية إعطاء الفرصة للمنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة لممارسة دور رئيسي في مختلف عمليات ومراحل التعدين.