الانعكاسات الاقتصادية للحرب

بالإضافة إلى الانعكاسات على التجارة الدولية والعلاقات الاقتصادية العامة، يأتي التأثير الأكبر من مصدرين أساسيين هما الطاقة والحبوب خاصة القمح. في الطاقة، أهمية روسيا معروفة لكن الدول التي ستتأثر كثيرا هي الأوروبية وخاصة ألمانيا التي يظهر أنها نجحت مرحليا في تنويع مصادر الاستيراد. هذه التأثيرات واضحة بسبب عدم قدرة كل الأوروبيين على استبدال الواردات الروسية بسرعة ودون تكلفة كبرى. أمام الحاجة الاقتصادية الملحة يصبح الصراع السياسي ثانويا، والتجارب العالمية كبيرة وعديدة في هذا المضمار. في النفط، أوروبا هي المتأثرة الأساسية بالصادرات الروسية للطاقة، إذ استوردت في سنة 2020 حوالي 38 % من حاجاتها من الغاز من روسيا (55 % لألمانيا) و49 % من الفحم و26 % من النفط مما يشير جليا إلى الأهمية الروسية بالنسبة لدول الوحدة الأوروبية. بين سنتي 2010 و2020، ارتفعت نسبة استيراد الغاز الروسي في أوروبا من 31 % من المجموع إلى 38 % وأكثر بكثير للفحم أي من 22 % إلى 49 %. في النفط، انخفضت الحصة الروسية من 35 % إلى 26 % مما يشير إلى تنوع جغرافي أفضل. الاتجاه الذي تسلكه أوروبا تدريجيا هو تخفيف الاعتماد على روسيا وشراء الطاقة أكثر فأكثر من دول الخليج، كما شراء الحبوب من أماكن أخرى ولو بعيدة. النتائج الإيجابية تحتاج إلى الوقت والجهد والمثابرة. كان يمكن للتأثير النفطي أن يكون أكبر لولا التنويع النوعي المعتمد منذ زمن في بعض الدول الغربية والذي يحول مصادر الطاقة المستهلكة إلى المتجددة أي الشمسية والمائية والهوائية وغيرها لأسباب بيئية واقتصادية كما سياسية. أما تأثيرات الحرب على الاقتصاد الروسي فهي كبيرة وأهمها العقوبات المالية والتقنية كما تلك المفروضة على الأغنياء والسياسيين وقطاع الأعمال والتي تقوى مع الوقت. ستتأخر الماكينة الإنتاجية الروسية كثيرا، إذ إن الغنى المادي والأرضي كما الاحتياطي النقدي لا يكفيان لإنشاء دولة معاصرة كما يشتهي الروس أنفسهم. مع الحرب تقلب الروبل كثيرا وتأثرت القوة الشرائية للمواطنين الذين يتدافعون أحيانا لسحب النقد وشراء الحاجيات من المخازن. ارتفع التضخم إلى نسب عالية كما يتوقع الاقتصاديون أن ينخفض الناتج المحلي الروسي هذه السنة 10 % وهي تكلفة مرتفعة جدا بكل المقاييس وكان ممكن أن تنفق على معيشة الروس وتطوير الاقتصاد. ارتفاع أسعار الطاقة والقمح يضر عمليا بكل دول العالم وخاصة الفقيرة والناشئة. روسيا وأوكرانيا يصدران 28 % من مجموع صادرات الحبوب العالمية وبالتالي سيكون التأثير واضحا بسبب العرض والأسعار. التضخم القوي يظهر عالميا من جديد وها هي الولايات المتحدة تقود الحرب على الأسعار عبر رفع الفوائد تدريجيا بدءا من 0.25 % في آخر آذار 2022. كما أن الإنتاج الزراعي في الدول الفقيرة يتأثر بارتفاع أسعار السماد المنتج بكثرة في روسيا. روسيا ليست فقط المصدر الأول عالميا للقمح وإنما هي مصدر إنتاج وتصدير للأسمدة الزراعية المهمة جدا في الإنتاج. كل سكان العالم يتأثرون سلبا من الحرب الروسية وخاصة الفقراء أينما وجدوا.