اقتضت حكمة الله في الكون أن يخلق البشر مختلفين في الشكل والمظهر والقدرات والإمكانات الجسمية والعقلية والإدراكية ليكون كل واحد في مكان ما، حيث إن التكامل لا يتم بالتشابه وإنما بالاختلاف، وللاختلاف والتميز والفروق الفردية أسبابب، منها الجانب الوراثي، فكما يكتسب الإنسان صفاته الجسمانية من طول ولون بشرة وعينين من والديه وأجداده، فإنه أيضا يكتسب جزءا من صفاته السلوكية وراثيا أيضا، وبذلك يتكون الجزء الأول من السمات الشخصية، أما الجزء الثاني فإنه مكتسب من البيئة السلوكية والاجتماعية المحيطة والتي تتأثر بدورها بالبيئة المناخية والاقتصادية أيضا، وعليه فإنه من الوارد أن يحمل أهل منطقة ما أو إقليم معين أنماطا سلوكية جماعية موحدة مختلفة عن أقاليم أخرى، الأمر الذي يساعد في تسهيل وفهم طرق التعامل مع المجموعات ذات الصفات الموحدة. وهنا لابد من الاستفادة من معرفة الفروقات الفردية والسمات المشتركة في العملية التعليمية والتنموية والإدارية، فعلى مستوى التعليم في المدرسة لابد من وجود طرق ومحددات لدراسة الفروق الفردية بين التلاميذ حتى يتسنى للمعلم أن يستفيد من كل ميزة وموهبة لدى كل طالب، كذلك حتى يستطيع كادر التدريس التعامل مع أوجه القصور السلوكي لدى الطلاب من خلال اكتشافها، ويتبع تلك العملية توجيه الطلاب الى التخصصات التي تناسب قدراتهم، أما على مستوى العمل فإن معرفة المدير بإمكانيات وقدرات كل فرد من أفراد الكادر الوظيفي الذي يقوده تمكنه من رفع كفاءة التشغيل إلى الحد الأقصى دون زيادة الضغط على الموظفين وذلك من خلال توزيع الأعمال على أساس القدرات والمميزات الفردية التي يتمتع بها كل موظف. أما على الصعيد التنموي فإن معرفة السمات السلوكية الجماعية تساعد باتخاذ القرارات الشمولية والإستراتيجية، كأن نقول تريد أن تصدر منتجاتها الصناعية إلى دولة أخرى فعليها دراسة أنماط السلوك الاستهلاكي العام والجماعي لتلك الدولة مثل تصدير السيارات إلى منطقة الخليج بمواصفات محددة، أو كأن تقوم دولة بفتح فروع لبنوكها في دولة أخرى تختلف سمات شعبها السلوكية عن الدولة صاحبة الاستثمار، عندها لابد من الأخذ بعين الاعتبار الفروقات السلوكية لسكان تلك الدولة أو ذلك الإقليم. كما بدأت مقالتي هذه، إن اختلافنا في كل شيء كبشر هو الميزة التي منحنا إياها الله، فنحن ليس كمثلنا شيء، نختلف لنتكامل ونتفق لنبني، ليس للفرد وإنما للجماعة، ونحن المخلوقات الوحيدة التي تبني لمستقبل الأجيال القادمة على الرغم من الاختلافات والفروق بين الجميع، لكم بصمة ولي بصمة ولكل من على هذه الأرض بصمة مختلفة وجدت بهذه الطريقة لترسم الصورة الشمولية والحكمة الإلهية من تنوع الخليقة، كما أكد على ذلك الله عندما قال في القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».. صدق الله العظيم.