بعد مرور أكثر من أسبوعين على محاولة استيلاء الجيش على السلطة في تركيا، فإن حالة عدم الاستقرار بالبلاد ما زالت مستمرة، بما يعني تعرض الاقتصاد التركي لأضرار بالغة، سواء بالنسبة للسياحة والتي انخفضت بأكثر من 40% خلال الشهر الماضي «وفقاً لوكالة بلومبرج»، وكذا انخفاض الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة والمتراجعة بالفعل منذ عام 2007، وتراجع ربحية البنوك التركية ومعدلات الإقراض ومن ثم ارتفاع تكلفة الائتمان، بالإضافة إلى انخفاض قيمة عملة البلاد «الليرة» لأدنى مستوى لها منذ عام 2008. لذا فقد أجمع الكثير من الخبراء والمتخصصين على أن الاقتصاد التركي سيكون أكبر المتضررين من محاولة الانقلاب الفاشلة وما تلاها من حملات انتقام وتطهير ضد الصحفيين والقضاة وقيادات الجيش وعدد من كبار رجال الأعمال والمدرسين وجمعيات المجتمع المدني، وإغلاق الصحف والفضائيات «غير الموالية» وإلغاء اتفاقيات حقوق الإنسان الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، وما ترتب على ذلك من خفض أعداد السائحين وإيرادات السياحة ومن ثم هبوط معدلات الاستهلاك وارتفاع التضخم وانخفاض معدل النمو الاقتصادي بالبلاد لأقل من 3.8% وهو المعدل الذي طالما حافظت عليه الحكومة لأكثر من عشر سنوات متتالية. وفي ضوء تطلع الحكومة التركية لجذب المزيد من الاستثمارات والتمويل الأجنبي لمعالجة انخفاض احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي وارتفاع حجم الديون الخارجية في ظل تقلص المدخرات المحلية، فقد أعلنت وكالات التصنيف الائتماني العالمية إعادة النظر في التصنيف الائتماني لتركيا والذي ما زال مستقراً لدى كل من مؤسسة ستاندرد آند بورز «+B B»، ووكالة فيتش «BBB»، وسالب «BAA3» لدى وكالة موديز. هذا وقد تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا بمعدل 42% خلال الفترة «2007-2016» بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالجوانب السياسية والاقتصادية وارتفاع معدل التضخم وتعمد الحكومة إضعاف قيمة العملة بهدف زيادة الصادرات، ومواكباً لذلك تباطؤ معدلات الاستهلاك وانخفاض العائدات، حيث يؤكد العديد من الخبراء ازدياد حالة عدم اليقين السياسي في أعقاب المحاولة الفاشلة لاستيلاء الجيش على السلطة وما واكبها من إجراءات انتقامية والتي تعد بمثابة أكبر طارد للاستثمارات الأجنبية المباشرة في أي دولة من الدول. وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي التركي في مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب فإنه من المرجح أن يشهد المزيد من التراجع في الربحية، كما أنه سوف يواجه مشكلة كبرى في توفير السيولة المالية للعملاء، وذلك بالنظر لسحب آلاف المواطنين لمبالغ طائلة من ماكينات الصرف الآلي، مما اضطر البنك المركزي التركي لضخ المزيد من السيولة لطمأنة الأسواق بعد استئناف البنوك لعملها، وذلك في ظل ارتفاع قيم القروض المتعثرة وارتفاع تكلفة الإقراض وتآكل نسب كفاية رأس المال.. ومن ثم فإنه لا سبيل أمام الاقتصاد التركي كي يستعيد مكانته السابقة سوى تحقيق الاستقرار الكامل والبعد عن الإجراءات الاستثنائية بما يكفل له جذب المزيد من رؤوس الأموال من الخارج وطمأنة المستثمرين الأجانب وعودة السياحة للبلاد وما تدره من عملات أجنبية وبما يعمل على زيادة معدل الاستهلاك.