هل المجازفة جزء أصيل من الازدهار والتقدم الاقتصادي في عالم اليوم؟ هل هي مصدر مهم للابتكار والإبداع؟ وهل كان عنصر المجازفة سببا لنجاح وتفوق العديد من الشركات العالمية وهيمنتها على الاقتصاد العالمي؟ تكمن أهمية هذه التساؤلات في معرفة أسباب اتساع الفارق بين البلدان الصناعية والبلدان النامية، خاصة الدول الخليجية التي ورغم وجود الفوائض المالية الضخمة، فإنها لا تزال تفتقر إلى قاعدة إنتاجية متينة تضمن لها تنمية مستدامة وتنوع مصادر الدخل فيها. فهذه الدول الخليجية التي تعد من أكبر مصدري رؤوس الأموال ومن أكثر البلدان استهلاكا للسلع والخدمات، إلا أن أغلب استثماراتها وبالأخص استثمارات القطاع الخاص تنحصر في القطاعات التقليدية مثل التجارة والعقارات والعمارات الشاهقة والتي تنخفض فيها درجة المخاطرة ولا تحتاج إلى ابتكارات أو كفاءات استثمارية متخصصة. لا يمكن لأي مجتمع أن يتطور ويتقدم اقتصاديا وينافس البلدان الأخرى في استقطاب رؤوس الأموال، بينما استثماراته تتمحور في القطاعات التقليدية، حيث إن المهارات العلمية المطلوبة لمثل هذه الاستثمارات يمكن توافرها بجهد وموارد أقل. كما أن الاستثمار في هذه القطاعات ورغم أهميتها، فإنها لا تضمن استقلالا واستقرارا اقتصاديا، ولا يمكنها أن تساهم في معالجة أي قضية اقتصادية مثل البطالة أو العجز في ميزان المدفوعات، ولا تبني قاعدة إنتاجية بقدرات تنافسية عالية، كما أنها لا تخلق مهارات وكفاءات تعزز من القدرات التنافسية. المستثمر صاحب المجازفة المحسوبة (وليس المتهور) هو المستثمر القادر على الاستثمار في قطاعات مثل الصناعة والتكنولوجية وغيرها من القطاعات التي ترتفع فيها درجة المخاطرة. ونجاح الشركات الكبرى في المجالات المختلفة كان بفضل قدرتها على الاستثمار في القطاعات ذات المخاطرة العالية. ويلجأ هؤلاء إلى المجازفة عندما تتكون لديهم مؤشرات قوية على ضرورة المخاطرة، حيث إن العائد المالي المتوقع يستحق المجازفة. أما بالنسبة إلى الكثير من المستثمرين الخليجيين والذين يتجنبون المخاطرة، فالمجازفة لديهم هو القفز إلى المجهول. إنه من لديه الثقة والخبرة والعلم والمعرفة والكفاءة اللازمة تكون لديه القدرات الجيدة على المجازفة والاستثمار في القطاعات الاقتصادية الأكثر مساهمة في العملية التنموية. وبحسب إحصاءات المنتدى الاقتصادي تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الأولى في استقطاب الاستثمارات المجازفة عالميا، حيث تقدر حصتها بنحو 59 مليار دولار، ويفضل أصحاب رؤوس الأموال المجازفة بالاستثمار في صناعة تقنية المعلومات والبرمجيات والتي نجحت في استقطاب نحو 37% من الاستثمارات المجازفة، يأتي بعدها قطاع التكنولوجيا الحيوية الذي يقوم على تطبيق المعلومات المتعلقة بالمنظومات الحية لأغراض صناعية، حيث استطاع أن يستقطب نحو 17.3% من هذه الاستثمارات، وفي المرتبة الثالثة قطاع الإعلام والترفيه بنسبة 9.5% من الاستثمارات المجازفة، وبعده يأتي الأجهزة الطبية بنسبة 7.1%، ثم خدمات تكنولوجيا المعلومات بنسبة 6%. في عالمنا اليوم فإن العقلية والثقافة التي تهيمن على عالم الاستثمار هي تلك التي تؤمن بأن المجازفين هم الأكثر ثراء، وهم وحدهم من يحصدون الجوائز. ويقول مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج: «من لا ينتهزون الفرص فهم في طريق الفشل المحقق». فهل يعني ذلك أننا في الخليج فاشلون؟