تطالب مؤسسات القطاع الخاص - وبالأخص تلك التي تصنف ضمن الفئة الصغيرة والمتوسطة - الحكومة بضخ السيولة النقدية لتحفيز وتنشيط السوق الذي تأثرت أنشطته وخدماته ومبيعاته بشكل كبير بسبب جائحة كورونا، درجة أن الكثير منها قلصت أعمالها وأغلقت عددا من فروعها وسرحت المزيد من العمالة الوطنية والأجنبية، وقد يضطر بعضها قريبا إلى إعلان الإفلاس، والحكومة من جانب آخر - كحال معظم حكومات العالم التي تعيش المحنة - تعاني من تراجع واستنزاف كبير في مواردها المالية بسبب انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية الذي تحوم أسعاره حاليا عند الأربعين دولارا متراجعا عن قيمته الحقيقية التي كانت تقارب حاجز الـ ٧٠، وتقليص مستويات إنتاجه تلبية لقرارات أوبك بخفض الإنتاج بنسب محددة تتحملها كل دولة وفقا لتصنيفها، وارتفاع تكلفة إجراءات واحترازات وعلاجات المصابين من جائحة كورونا الذي انتشر في البلاد بشكل واسع، فمن أين لها تدبير المزيد من السيولة لدعم الأسواق ومساعدة الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبالأخص تلك التي على وشك الإفلاس؟. وفيما يضغط رجال وسيدات الأعمال وأصحاب المشاريع باتجاه الدعم متكئين على حقيقة أن التأخير في ضخ النقود والتسهيلات وإقرار سياسات التحفيز سوف يقود إلى معاناة أكبر ومشاكل أعمق إذا "لم تبتكر الحكومة طرقا فعالة لتحفيز الاقتصاد الآن"، فالحكومات في جميع دول العالم تمتلك "الوسائل التي تمكنها من تحفيز اقتصاداتها". ويرى آخرون - كنوع من التوازن - بأن التوصل إلى حلول واقعية وعملية يعول عليها في تحقيق انتعاشه قوية في الاقتصاد وتغذية أوردته بالنشاط والحيوية يتطلب إشراك وإسهام جميع القطاعات في تحديد وتشخيص المشكلات وفهم طبيعة وخصائص الاقتصاد الوطني ومكامن قوته وضعفه وتطبيق الحلول والمعالجات التي تتناسب معه والأقرب والأنجح في إخراجه من الركود الذي يعاني منه - والمتوقع أن يزداد حدة بقادم الأيام - بمعنى ربط الدعم والتحفيز لتحقيق أهداف أكثر شمولية واستدامة بإصلاح المنظومة كاملة لتستجيب وتتوافق مع تطلعات وخطط المستقبل ورؤيته، وهو ما يحتاج إلى وقت طويل ولا ينتظر أن يؤتي ثماره بين ليلة وضحاها، إذا سلمنا بتراكم المشكلات التي تعانيها قطاعات الأعمال خاصة الصغيرة والمتوسطة منها، والتي بنيت فلسفة وثقافة العمل في الكثير منها بفكر وأيدي وهيمنة أجنبية، وتعتمد عليه في تقديم خدماتها وفي تحقيق العوائد وتسويق منتجاتها وكمستهلك لها بالنظر الى محدودية السوق، ومع استغنائنا عن جزء من الجالية الأجنبية كما هو متوقع بعد مرحلة كورونا وتقليص أعدادها بشكل كبير فسوف تتراجع هذه المؤسسات وقد يختفي الكثير من انشطتها، كون أن معظمها تقليدية، وتفشت فيها التجارة المستترة، وتتنافس على نسبة صغيرة من المستهلكين، لأنها نشأت في ظروف ومرحلة زمنية كانت فيه البلاد منفتحة على الأجانب، وأسعار النفط منتعشة والحياة التجارية مزدهرة والتنمية في أوج نشاطها، والأنشطة في طبيعتها مرتبطة بتلك الظروف والمرحلة، ولا توجد مشكلة باحثين عن عمل، فيما اختلفت اليوم الظروف وأسلوب الحياة ونوع المشكلات وطبيعة الأنشطة التجارية وثقافة واحتياجات الناس. من هنا فإن إصلاحها مرتبط بتحفيز وتطوير وتشجيع القطاعات الاقتصادية الواعدة واقرار السياسات التي تضمنتها رؤية ٢٠٤٠ وبرامج تنفيذ، وتجاوز الأنشطة التقليدية إلى الابتكار والإنتاجية، ودفع الشباب نحو العمل المؤسسي الحر لقيادة المؤسسات والأنشطة والأعمال، وربطها بمنظومة التعليم والتدريب، واعتماد خدماتها ومنتجاتها بالانفتاح على أسواق العالم لمعالجة ضعف السوق الداخلي .