المجتمع والاقتصاد.. إطار ومبادئ - الجزء الثاني

هل يمكن التوفيق بين ما يؤمن به الإنسان في مجتمعه المحلي من قيم وثوابت ومرتكزات دينية وثقافية وسلوكية، وبين تحقيق منافعه الاقتصادية والحصول على موارده المالية واحتياجاته المعيشية التي يتحصل عليها من وظيفة أو مشروع تجاري أو مهنة من المهن وفقا لمبادئ ومثل مناهج السوق الحديثة وآلياته المتطورة والمتغيرة باستمرار، والسياسات والرؤى الاقتصادية الحديثة التي تطبقها المؤسسات والقوانين والنظم على مستوى الحكومات والشركات وبيئات العمل واللولبيات الاقتصادية العالمية، والتي تداخلت وتشابكت مصالحها بشكل صلب ومتين أيا كانت انتماءاتها ومظلاتها وتبعيتها؟ هل يمكن للإنسان أن يكيف أحدها لتتناسب مع الأخرى ويطوع القيود المجتمعية ليتمكن من بلوغ غاياته وأهدافه الاقتصادية؟ لا شك بأن التحولات التي تشهدها النظريات والمدارس السياسية والاقتصادية والتفسيرات والتنظيرات المتطورة، وسعي الإنسان المستمر لبلوغ مآربه وسد وإشباع احتياجاته الحياتية والمعيشية من الضروريات والكماليات التي لا يمكن الوصول إليها إلا بتنمية المال واستثماره وازدهار الاقتصاد وتنشيط قطاعاته وأوردته، حفزت الإنسان وقادته إلى التكيف والتطور والسير قدما والمساهمة في تحقيق نهضات اقتصادية متواصلة، وهذا ما ترصده الأحداث والتطورات والتغيرات التي يشهدها العالم، فإنسان اليوم ومجتمعه، وآليات السوق والسياسات الاقتصادية ومحفزاته، ومتطلبات الحياة تغيرت بشكل كبير عن الأمس تأكيدا على تطور العلاقة المتواصلة بين المجتمع والاقتصاد وتعمق روابطها. يؤمن "غرانوفيتر" "بأن أي فهم للاقتصاد لا بد من أن ينسجم مع القوى الاجتماعية المهمة"، فيما "تعد المعايير مبادئ يعترف بها الناس، وأحيانا يتبعونها ؛ إذ تتعلق بالأسلوب اللائق، أو المناسب، أو "الأخلاقي" لإدارة أنفسهم..." بمعنى تطويع المفاهيم والسياسات والعمل الاقتصادي لتكون لائقة أخلاقية ومنسجمة مع ثوابت المجتمع، ويفرق الكاتب بين الممارسات اليومية لأي مجتمع والتي يمكن أن نصنفها "عادات" تحكم سلوكيات الأفراد اليومية وتختلف من مجتمع إلى آخر، وفي تعمقه لشرح وتفسير أفكاره يطرح الكثير من الأسئلة ذات العلاقة حول المعايير الاقتصادية، ولم "يتبعها الناس؟ وكيف تتفاعل مع مسببات السلوك الأخرى؟ من أين تأتت؟ وما محتواها، وهل يمكن التنبؤ بها؟ وكيف تكون المعايير إجمالا ذات كفاءة اقتصادية؟ وما مدى فائدة مفهوم "الاقتصاد الأخلاقي"..."، في محاولته الإجابة على تلك الأسئلة، يستعرض الكاتب جملة من الأفكار والمبادئ التي ترسخت في الفكر الإنساني، وتؤكد على الروابط بين المجتمع والاقتصاد، نوجز أهمها في الآتي: •    "لا أحد يشك في أن الناس لديهم أفكار حول السلوك المقبول في السياق الاقتصادي وغيره من السياقات". •    اهتمت "العلوم السياسية باستخدام الاكراه في المجتمع، واهتم علم الاقتصاد بالتكيف العقلاني للوسائل الموصلة للغايات، واهتم علم الاجتماع بدراسة القيم العليا التي تترابط بها المجتمعات". •    في تعليقه على دور المصلحة الشخصية عندما تتضخم، في تجاهل القيم الأخلاقية والدوس عليها، ينقل الكاتب عن "جون إلستر"، قوله "إن العديد من الناس يسلمون بفكرة أن المصلحة الشخصية هي حجر أساس المجتمع، والتصرف وفقا للمصلحة الشخصية" دون اعتبار للمعايير والقيم الأخرى "يعني عدم قول الحقيقة مطلقا وعدم الالتزام بالوعود الشخصية إلا إذا دفع ثمن لقاء ذلك. ويعني أيضا أن يسرق ويغش إذا ما استطاع الشخص الإفلات من العقاب...".