قضبان من حرير

إن أفضل طريقة لمنع سجن من الهروب هي أن نتأكد أنه لا يعلم أنه في سجن.. دوستويفسكي .» ما الذي يجعل شخصا ما يستمر في عمله سنوات طويلة وهو لا يحبه وما الذي يجعل آخر يعيش عمراً طويلاً مع زوجة لا ينجذب اليها وما الذي يدفع إنسانا ان يشتري سيارة لا يحب مظهرها وكيف يمكن لشخص آخر ان يتأقلم سنوات طويلة في منزل يكره جدرانه، وما هي تلك القضبان التي تحتجز فكر وقناعات إنسان عمراً كاملاً وهو يطبقها ويدافع عنها وليس لديه أي تبرير لتلك الأفكار، انها سجون الخوف من التغيير والخوف من زوال الواقع، مع ان تكرار الماضي هو ما ينتج عنه الحاضر وبالتالي فإنه قطعاً سيشكل المستقبل بصورة نمطية مكررة للواقع إلى أن ينتهي العمر بيوم واحد مكرر آلاف المرات. إنني لا افهم كيف يمكن ان نكون متأكدين بصورة قطعية ان الزمن لدينا محدود جداً وانه يسير الى نهايته ونكرر نفس الاحداث بنفس الترتيب لتعطي نفس النتائج بغض النظر عن مدى صحتها او خطئها، كيف يعقل ان نغامر بالمورد الوحيد المستنفد لدينا والذي لا يمكن عكس تأثيره، كيف يمكن للخوف ان يكون سجناً حريرياً مقبولا ومتوافقا عليه تحت مسمى الروتن، انني لا اجد اشد قسوة على الإنسانية من الإحساس بالخوف من التغيير، وحتى مصطلح التغيير اصبح مبتذلا متجردا من معناه الحقيقي، فتغيير الأمور المادية من حولنا قطعاً لا يغير طريقة رؤيتنا لأمور، فإذا كان شخص يشعر بالحزن لأمر ما فإنه وإن سافر الى القمر سيأخذ حزنه معه لا شكوأنه لا يتحلل من هذا الشعور الا اذا واجه أفكاره التي ولدت مشاعره وغير فيها. وأعود الى بدايات الحديث، اننا لا نريد التغيير لاننا روضنا أفكارنا على عدم الحاجة لذلك، وذلك يتنافى مع مبدأ الوجود الإنساني والذي هو خروج عن المألوف ولكن في حالة توازن نسبية، فالإنسان وجد ليخطئ ويصيب ويجرب ويتعلم ويبني لنفسه ولغيره ويسلم الراية لمن بعده بكل تقدير، ويمر في ذلك بكل مراحل الحياة، إن كل أشكال التنظيم الإنساني الحديثة ومعظم نظريات علم الاجتماع التي تدرس السلوك الجمعي تعمل على ترويض الجموح الإنساني وخصوصاً مع الانفجار السكاني في القرن الماضي قد أوصل المجتمعات إلى حالة التدجين الروبوتية وهو يولد ويعيش وينتج حسب توجيه المجتمع ثم يموت رقماً دون أثر، لكني أؤمن أن الخيار لازال بيدي على الأقل حتى الآن، وإلى أن نلتقي أيضاً هذه تحية وإلى لقاء.