من يتابع تصريحات الرئيس الأمريكي المتسارعة والغاضبة، المرتبكة والمتناقضة، وما تثيره من فوضى والتباس، وتباينات وتجاذبات على مستوى الولايات والمؤسسات والأطراف المؤثرة حول إدارة الأزمة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والخلافات السياسية والاقتصادية بين ساسة وخبراء العالم ورؤساء حكوماته، وتطورات الأحداث وتسارعها، والاتهامات المتبادلة بين الغرب والصين بشأن إخفاء الأخيرة معلومات عن سر وخصائص الوباء، وحقيقة عدد الإصابات والوفيات، وآليات التعامل مع الأسواق والاقتصاد وكيفية التعاطي مع كورونا بشكل عام، والأسئلة الجدلية التي تنوعت بين فتح الأنشطة الاقتصادية أو الاستمرار في إغلاقها، أو التدرج في ذلك وفق برنامج محدد، ومضار كل خيار على حياة الناس ومستقبل الدول، وأثر العزل وتعليق الأنشطة وتقييد الحركة ومنع السفر على القيم الديمقراطية والحريات، في ظل المعطيات والتداعيات والمستجدات الخطيرة التي يشهدها الحاضر وحالة الارتباك الهائلة، ومن يتابع حركة أسواق النفط وما تشهده أسعاره من انهيارات تاريخية وخسائر الشركات والأنشطة الاقتصادية وأسواق المال وعدد الذين يفقدون وظائفهم، والأرقام والمؤشرات والقراءات الاقتصادية المتشائمة التي تجمع على أن البشرية أمام مستقبل اقتصادي قاتم... يدرك حجم المأساة وشح الخيارات والحلول، وحالة الضعف التي تعتري العالم والمأزق الخطير الذي يقودنا إليه كورونا؟. فبرغم قرار الدول المنتجة للنفط بخفض الإنتاج بحوالي «23% مقارنة بمستوى الإنتاج خلال شهر أكتوبر 2018م» والمليارات التي تضخها الحكومات في السوق من أجل التحفيز، والسياسات التصحيحية والقرارات القاضية بفتح الأنشطة الاقتصادية والأسواق في عدد من الدول أو جزء منها في بلدان أخرى مشروطة بضوابط مشددة.. إلا أن ذلك جميعه لا يجدي نفعا، فالأسواق والشركات ومؤسسات القطاع الخاص غير قادرة على تجاوز محنتها وخسائرها الهائلة، وتمضي قدما في المزيد من التراجعات واستنزاف رؤوس أموالها والاستغناء عن أعداد كبيرة من الموظفين، فالعقود الآجلة للخام الأمريكي هوت 55 دولارا بنحو 305% لتصل إلى ناقص 37 دولارا للبرميل في حدث تاريخي لم يشهده العالم من قبل والتعافي يتطلب أشهرا في نظر أكثر الخبراء تفاؤلا، هذا إذا لم يستغرق سنوات، ووفقا لما نشرته «لوسيل» فإن منطقة اليورو شهدت في أبريل الماضي «انهيارا غير مسبوق لنشاط القطاع الخاص» والاقتصاد الألماني يشهد «انكماشا بأكثر من 6%» فيما توقعت منظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو» بأن إيرادات شركات الطيران سوف تفقد 160 مليار دولار بنهاية عام 2020. و«بلغ عدد الأمريكيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانة البطالة رقما قياسيا قدره 26 مليونا خلال الأسابيع الخمسة الماضية، مما يؤكد أن جميع الوظائف التي تم توفيرها خلال أطول ازدهار للتوظيف في التاريخ الأمريكي تعرضت للمحو في نحو شهر مع تضرر الاقتصاد من فيروس كورونا المستجد». وهو ما عبر عنه الدكتور سعيد الصقري رئيس الجمعية الاقتصادية في مقال له بعنوان «2020 وتأثيرات كورونا» «لقد تغير الواقع الاقتصادي العالمي بعد كوفيد 19 وتعطل النشاط الاقتصادي العالمي» ومن «المؤكد بأن معدلات البطالة سترتفع في العالم بشكل مخيف» فيما تعتري طريق «التعافي الكثير من الصعوبات». ومن جانب آخر برهنت أزمة كورونا بأن الوظيفة الحكومية هي الملاذ الأكثر أمانا وحفظا لحقوق الموظف من القطاع الخاص، ففي الوقت الذي تسرح فيه الشركات الآلاف من المنتسبين والعاملين إلى أنشطتها ومؤسساتها، تدفع الحكومة بانتظام رواتب موظفيها حتى وهم في حالة حجز منزلي وبدون إنتاج.