الخروج البريطاني ودول الخليج العربي

يبدو أن مبالغة الكثير من الاقتصاديين والخبراء والهيئات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي في تقدير حجم الآثار الاقتصادية السلبية والخسائر المتوقعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على دول العالم قد انعكس سريعاً وبصورة عملية وخاصة على أسواق المال العالمية، فقد سيطرت حالة من الارتباك بعد يوم الخميس 23 يونيو 2016 وهو اليوم الذي قرر فيه البريطانيون الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وبنسبة لم تكن بالكبيرة، فقد توشحت معظم البورصات ومنها البورصات العربية والخليجية باللون الأحمر وبمعدلات هبوط كبيرة، كما فقد الإسترليني حوالي 10 في المائة من قيمته أمام الدولار الأمريكي وكذلك الحال مع اليورو الذي هبط أيضاً أمام الدولار وإن كان بمعدلات أقل. وقد سادت حالة من القلق والتوتر والخوف في أوساط رجال الأعمال والمستثمرين الخليجيين وخاصة من لهم علاقات تجارية أو استثمارية بالداخل البريطاني أو الأوروبي من تنامي هذه الخسائر والتي يمكن أن تطال استثماراتهم أو ممتلكاتهم. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن بريطانيا تشكل قوة اقتصادية كبيرة لا يمكن تجاهلها على مستوى العالم أو حتى على مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث إنها تشكل فيه مع دول ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا القوة الاقتصادية والسياسية الكبرى الفاعلة والمؤثرة عالمياً، بل إنني لا أكون مبالغاً إن قلت إن هناك عددا من الـ28 دولة الأعضاء في الاتحاد ليست لهم أدوار فاعلة، اللهم إلا أدوار الكمبارس وكمالة العدد. ومع أنني لست مع التضخيم أو التقليل من شأن أي قضية أو مشكلة اقتصادية، فإنني أيضاً لست مع التحليل حسب الميول والأهواء السياسية، فالواقع والتحليل المنصف يؤكد أن معظم من تناول بالتحليل حجم الخسائر المتوقعة على المستوى البريطاني والأوروبي والعالمي المبالغ فيه لم يحالفه التوفيق لعدة أسباب، من أهمها أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يستند إلى أسباب اقتصادية وسياسية وجيهة تنصب في مصلحة بريطانيا، حيث رفض تقاسم المسؤولية والعبء تجاه أزمة الديون والمشاكل الاقتصادية والمالية في كل من اليونان وإيطاليا وإسبانيا وغيرها وكذلك مشكلة تدفق اللاجئين والتي أحدثت حالة من عدم الارتياح في المجتمع البريطاني والخوف من حدوث عمليات عنف وإرهاب على الأراضي البريطانية، فقد استقبلت بريطانيا في العام الماضي حوالي 330 ألف لاجئ، كما تستطيع بريطانيا تعويض خروجها من الاتحاد الأوروبي بتطبيق نماذج أخرى بديلة للتعاون الاقتصادي للحد من تبعيات الانفصال السلبية ويمكن في هذا المجال تطبيق نموذج دولتي النرويج وسويسرا من خلال اتفاق للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، كما أنه يجب عدم إغفال العمق الإستراتيجي والسياسي لبريطانيا مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الكومنولث وما يمثله هذا العمق. هذا وتشكل تجارة دول مجلس التعاون الخليجي مع الاتحاد الأوروبي حوالي 25 في المائة من إجمالي حجم تجارتها العالمية وتتجه الـ75 في المائة الباقية إلى دول العالم المختلفة والتي تتصدرها الصين والولايات المتحدة الأمريكية. أما بالنسبة للاستثمارات الخليجية في بريطانيا، فتتنوع ما بين الاستثمارات المالية، حيث الاستثمار في شهادات الخزانة البريطانية والأسهم والمحافظ المالية وكذلك الاستثمارات العقارية. ومن المتوقع أن تحدث بعض الهزات النفسية لهذه الاستثمارات لفترة ليست طويلة، لكن سرعان ما ستعود إلى ما كانت عليه، مع التأكيد على أن وجود الشركات والمؤسسات البريطانية القوية والعريقة سيكون لها دور كبير في دعم سرعة عودة الاستقرار الاقتصادي مرة أخرى. [email protected]