ريحانة

زرتها بعد غياب فلم أجدها في حوضها ووجدته فارغاً ورمله يابس لا رطوبة فيه، حزنت عليها كثيراً ولمت نفسي أني لم أسقها ولم أعتني بها حتى يبست وماتت في إنائها وهي في انتظاري، ومرت الأيام وعدت من باب ذكرى الندم أسقي ذاك الحوض الميت دون شعور ودون انتظار شيء، وفِي يوم ما رأيت براعم خضراء تخرج من تحت رماد الموت وتزهر ريحانتي من جديد لا أعلم من أين أتت وكيف عادت للحياة ولن أزعج نفسي بالبحث عن ذلك فأنا ممتن أنها عادت للحياة، وأعدها هذه المرة لن أنساها من جديد. هكذا هي حياتنا وتلك هي حكاياتها، فهي مكونة من مجموعة من العلاقات والاحداث التي تولد بين البشر وعندما ننسى هذه العلاقات تموت ويبقينا الخوف بعيداً عنها لكي لا نرى سوءة ما فعلنا وتمر السنين وتتيبس أرض المعرفة والصداقة والحب، حتى يلتقي الناس أغراب وما هم بأغراب ولكن ماتت ريحانتهم، وفِي آن معاً اذا سقينا تلك الارض من جديد بالمحبة والألفة وحب الخير سنجد انه من الممكن ان تعود الحياة الى تلك الأجزاء من نفوسنا والتي ظننا أنها انتهت، والمهم أن ندرك ما هو الماء الذي نروي فيه أنفسنا وعلاقاتنا حتى تنبت فيه الحياة من جديد، يقول الله تعالى (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) الحج "5". في اليابان عندما ينكسر إناء فخاري فإنهم يعيدون لصقه بماء الذهب ليصبح أكثر قيمة وجمالا، ونحن أيضا عندما تنكسر قلوبنا علينا أن نرممها ونبدأ من جديد، إن كل جرح أو ندبة تركها لنا الزمان من موقف محزن او جرح كبير هي بمثابة النياشين على صدورنا والشهادات على جدران حياتنا، هي الخبرة والزاد الذي نتابع به مسيرة المستقبل وكلما زادت تلك الندبات وتلك الجروح زدنا تألقا وخبرة وقدرة على التميز والإبداع، ولنعلم أن أعذب الماء ذلك الذي انفجر من قلب الصخر.  (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) البقرة (74) صدق الله العظيم. علمتني تلك الريحانة معنى الأمل والإيمان وعدم الانكسار والصبر على ضربات الزمان، فلم تعد الحياة كما كانت بعد تلك الريحانة ولن تكون.  كما يمكن إسقاط مثل الريحانة على الدول او المؤسسات او الأفراد ، مثل ألمانيا واليابان و تركيا التي وصلت الى مرحلة الانهيار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وظن الجميع انه لن تقوم لها قائمة بعد الحرب العالمية الثانية حيث كانت مثقلة بالديون و مفككة من الداخل ولكنها اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج عندما آمن القائمون عليها بضرورة التغيير واكتشفوا آلياته المناسبة لذلك وعملوا عليه، كذلك كم من شركة او مؤسسة كانت على طريق الاندثار والزوال الا أن الإيمان بالتغيير ومعرفة آليات العمل الصحيحة والعمل عليها أعادها للحياة من جديد.  الحياة بالنسبة لنا كبشر ليست ما نعيش وإنما ما نبني لنعيش عليه نحن وأبناؤنا والأجيال من بعدنا لذلك اجعل حياتك لبنة صالحة في نسيج الكون واعلم ان عملك هو من يصنع واقعك وايمانك هو من يصنع مستقبلك وان انهيار القيم النبيلة في عين الأشخاص المحيطين لا يعني قطعاً انهيار تلك القيم وأن النبل شيء يعيش فيك لا يروى بقصص الجبناء، ولا يهدمه أنصاف الرجال. وليس لي ألا أن أتأمل كلمة خالد بن الوليد رضي الله عنه حين قال "لقد شهدتُ مائة زحف أو زُهاءَها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربةٌ أو طعنة أو رَمْية، ثم هأنذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء". وأنا أقول لا نامت أعين الجبناء وطابت أعين النبلاء وإلى أن نلتقي هذه تحية بعطر الريحان وإلى اللقاء.