فنزويلا من الغنى إلى الفقر

حلم «محمد يونس» حامل جائزة نوبل للسلام لسنة 2006 بعالم ينعدم فيه الفقر والبطالة والتلوث البيئي. هو من أشد المنتقدين للنظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي يزيد فجوة الدخل ويرفع البطالة ويسيء إلى البيئة ويؤدي إلى التطرف السياسي الناقم. يقول إن العالم يحتاج إلى نظام جديد مبني على الأخلاق والتضامن الاجتماعي وبعيدا عن الجشع والربح الشخصي من دون حدود. هدف يونس إلى إظهار الجانب الخلاق في الإنسان، بحيث لا يبحث المواطن عن وظيفة أو عمل، بل يخلقهما عبر الاستثمار في الأعمال. يقول إن المال يسبب السعادة، لكن مساعدة الآخرين تخلق سعادة أكبر وتدوم أكثر. وقف يونس بوجه الاقتراح الذي يقول إن تأمين دخل مؤكد للمواطن يقتل الفقر ويمنع الجوع. قال إن ما يقتل الفقر هو العمل. أين نحن اليوم من أحلام يونس؟ الأهداف لم تتحقق، أي الفقر ما زال منتشرا عالميا، والبطالة متفاقمة خاصة عند الشباب وإحصائيات العالم العربي تشهد على ذلك، كما أن التلوث يعم العالم في غياب سياسات تنفيذية واضحة تعالجه. كيف يمكن للكلام تحقيق أهداف يونس عندما نرى دولة غنية كفنزويلا تغرق في الفقر والبطالة والتلوث؟. قبل تفاقم الأوضاع السياسية والإدارية في فنزويلا، أي في 2012، كان الناتج الفردي 13600 دولار أمريكي وكان الاقتصاد ينعم بالغنى الطبيعي والإنتاجي. تنتج فنزويلا الذرة والأرز والموز والقهوة والعديد من المنتجات الحيوانية. في الصناعة، كانت متطورة في الآليات والطبابة، كما في مختلف أنواع المعادن كالحديد والفولاذ. دورها الإنتاجي في قطاع الطاقة معروف ومؤثر جدا، قطاع الخدمات شَكَّلَ 61% من الناتج وكان شديد التنوع والتطور. كانت نسبة النمو 4,2% في 2011، 6% في 2012 و1,6% في 2013. الإنتاج الكهربائي كان مميزا وكانت فنزويلا في المرتبة 28 عالميا، وفي المرتبة 24 عالميا في خطوط الهاتف الثابت و34 في الخلوي. في قطاعات البنية التحتية، كانت فنزويلا رائدة خصوصا في النقل بمختلف أنواعه. في القطاعات الاجتماعية من التعليم إلى الصحة وغيرها، كانت فنزويلا في طليعة دول أمريكا اللاتينية، أتت السياسة بدءا من «شافيز» واليوم مع «مادورو» لتقلب النتائج رأسا على عقب. فنزويلا كانت من أغنى وأنجح الاقتصادات الأمريكية اللاتينية حتى بدأ الانحدار، الأسباب معظمها داخلية تتلخص في سوء الأداء الإداري والسياسي وفي انخفاض أسعار النفط الذي يعتمد عليه الاقتصاد. كانت إدارة الدولة سيئة وربما ارتكزت على أحلام سياسية انتهى وقتها مع زوال الاتحاد السوفياتي. حصل هذا الانحدار في وقت تعافت خلاله الاقتصادات الرئيسية الأخرى، بل نمت بخطى ثابتة بعد أزمة 2008 العالمية. المنطقة الأمريكية اللاتينية نمت كمجموعة 1,7% في 2017 بعد سقوط 1% في سنة 2016. تعاني فنزويلا من أزمة غذائية معيشية، أي لا تتوافر المواد الغذائية في الأسواق والحدود مفتوحة أمام المواطنين الهاربين إلى السلم والأمل، الأوضاع تتحسن للجميع إلا لدولة واحدة.