هنالك حقيقة عالمية وهي أن الطبقات الوسطى تنهار وتتكون المجتمعات أكثر فأكثر من مجموعتين، أي أقلية غنية وأكثرية فقيرة. الطبقة الوسطى الصحية تشكل عموما 80% من الشعب مع طبقتين متوازيتين غنية وفقيرة. الطبقة الوسطى هي التي تستطيع تأمين معيشة محترمة مع تعليم وتربية وصحة مقبولة وإمكانية أخذ إجازة في السنة. الطبقة الوسطى هي التي تدخر جزأ بسيطا من دخلها عبر عمل شخص أو عادة شخصين في هذه الأيام لتأمين استمرارية نوعية الحياة. الطبقة الوسطى هي طبقة الشركات الفردية والصغرى والمتوسطة التي تشكل قسما كبيرا من الاقتصادات الناجحة. معظم الإبداع والاكتشافات والاختراعات تنبع من الطبقات الوسطى التي تجهد للاستمرار والنجاح. إن توسع فجوتي الدخل والثروة يقضي عمليا على الطبقات الوسطى التي تسعى جاهدة للاستمرار والعيش الكريم، كما أن الأوضاع السياسية والأمنية السيئة تقضي أولا على الطبقات الوسطى وتوسع الشرخ بين الفقراء الذين يرتفعون عددا ويزدادون فقرا والأغنياء الذين يقلون عددا ويزدادون يسرا وغنى. في لبنان مثلا، كانت الطبقات الوسطى العمود الفقري للاقتصاد والمجتمع حتى سنة 1975 عندما بدأت الحرب الأهلية. هذه الطبقة صنعت ازدهار لبنان وميزته عن كل دول المنطقة بل جعلت لبنان يوصف بسويسرا الشرق. أصبحت بيروت مركزا مميزا للأعمال وللنشاطات الثقافية والسياحية والفكرية وغيرها. أتت الحرب لتقضي عليها لأسباب متعددة منها الهجرة والدمار وخسارة العمل من ناحيتي الموظف وأرباب العمل. خسر لبنان في 1975 العمود الفقري لاقتصاده ولم يسترجعه حتى اليوم. لبنان ليس الدولة الناشئة الوحيدة التي خسرت طبقتها الوسطى، بل هذا هو حال أكثرية الدول النامية والناشئة في المنطقة العربية وخارجها. الدول الصناعية تعاني من المشكلة نفسها وإن يكن بنسب أقل نتيجة تدخل القطاع العام في تصويب المنافع والضمانات الاجتماعية والصحية. غياب الطبقات الوسطى مضر، إذ هنالك علاقة قوية بين حجمها والاستقرارين السياسي والاقتصادي. الطبقة الوسطى العديدة والقوية والمزدهرة تريح الأوطان وتطمئن المواطن إلى المستقبل وتخفف التشنج السياسي. وجود طبقة وسطى قوية يوحد الدولة ويجعلها أكثر تضامنا في السراء والضراء. إن النمو الاقتصادي النوعي والمستمر ينبع أولا من نشاط الطبقات الوسطى التي تعمل بجهد كبير لتأمين استمرارية معيشتها النوعية. فالطبقات الفقيرة غير قادرة على الاستثمار وتهتم بمعيشتها اليومية. الطبقات الغنية تستثمر في الداخل وأكثر في الخارج لتنويع دخلها ولتحمي نفسها من السياسات الداخلية العامة التي يمكن أن تكون قاسية أو جائرة. فالطبقات الوسطى هي العمود الفقري للاقتصادات المتنوعة ولا يمكن الاطمئنان إلى المستقبل من دونها. وجود طبقة وسطى قوية وكبيرة هو أهم سلاح ضد الفساد. أين يتواجد الفساد العام المزدهر؟ في الدول التي تكبر فيها فجوة الدخل والثروة. الغني يفسد عموما لتحقيق أهدافه التجارية أو السياسية والفقير يفسد ليعيش والاثنان مذنبان في القوانين. وجود طبقة وسطى واسعة، مع طبقتين غنية وفقيرة صغيرتين نسبيا، يخفف الفساد الكبير دون أن يعني غيابه كليا.