في السنوات الأخيرة، أصبحت التصنيفات الائتمانية للدول والشركات مؤشرا مهما وعاملا أساسيا يؤثر بشكل مباشر على القرارات الاستثمارية للعديد من الصناديق والمحافظ المالية، فها هي إحدى شركات التصنيف الائتماني تخفض تصنيف تلك الدولة وهذه شركة أخرى ترفع تصنيف ذلك البنك، وهو ما حوّل المستثمر إلى متابع دائم ينتظر أخبار التصنيفات بفارغ الصبر، إما ليطمئن قلبه على استثماراته المتنوعة أو ليأخذ قراره السريع ويبدأ بالتخارج قبل فوات الأوان، هذه التصنيفات وبالرغم من تغيراتها الدائمة باتت في الفترة الأخيرة وسم الجودة الذي تختم به المؤسسات المالية تقاريرها لتقول لأصحاب رؤوس الأموال نحن هنا. ومع تزايد أهمية التصنيفات السابقة ظهر السؤال المهم، ما هي التصنيفات الائتمانية؟ ومن يقوم بها؟ وكيف تظهر تأثيراتها وأهميتها؟ التصنيف الائتماني هو تقييم تجريهِ وكالات تصنيف متخصصة تهدف من خلاله إلى تقدير الملاءة المالية لجهة معينة وبالتالي تحديد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها القادمة ومعرفة مدى أهليتها للحصول على قروض جديدة في فترة زمنية محددة، وهي لذلك تقوم بدراسة سجلات وإمكانيات الشركة أو الشخص أو الدولة، على أن تأخذ في حسابها السلوك الحالي والتاريخ السابق للعمليات المالية لهذه الجهة مثل تحصيلها لديونها الخارجية الماضية والتزامها بسداد دفعاتها السابقة. هذا ويعكس التصنيف المرتفع لإحدى المؤسسات قدرتها على سداد التزاماتها المالية وكذلك إمكانية صمودها بنجاح أمام أي أزمة مالية محتملة، أما درجة التصنيف المنخفض لجهة ما فتشير لوجود احتمال كبير لعدم قدرة المقترض على تسديد ديونه، وهو ما يدفع مانح القرض إلى وضع شروط أكثر صرامة على المقترض للحصول على القرض المطلوب، كأن يقوم مثلا برفع نسبة الفائدة على القرض او تقصير فترة سداده. أما تاريخيا فيعتبر البعض أن أول وكالة تصنيف ائتماني ظهرت في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1841، حيث زاد حينها اهتمام المستثمرين بتقييم الملاءة الائتمانية للشركات لمعرفة قدرتها على سداد ديونها وذلك بعد أزمة الذعر المالي، وهي الأزمة المالية الأمريكية التي حدثت في مايو 1837 بسبب مضاربات في سوق العقارات، فتوقفت البنوك عن الدفع بالعملات المعدنية المعتمدة في ذلك الوقت (الذهب والفضة)، وهو ما أدى إلى موجة كساد استمرت خمس سنوات، صاحبها حالات فشل مصرفي ومستويات بطالة مرتفعة. وعلى الرغم من وجود ما يزيد عن 150 شركة تصنيف ائتماني حول العالم، وبالرغم من أن بدايات هذا النشاط تعود للقرن التاسع عشر، إلّا أن أهم أعمال التصنيف الائتماني تنحصر حاليا في ثلاث شركات رئيسية تسيطر على أكبر وأهم عمليات التصنيف العام والخاص وهي وكالة موديز، وكالة ستاندرد أند بورز و وكالة فيتش، حيث تسيطر هذه الوكالات وفقا لبعض التقارير على ما يزيد عن 90% من سوق التصنيف العالمي والذي تزيد قيمته عن250 مليار دولار، فيما تتنافس الوكالات الأخرى على 10% من حجم هذا السوق، وهو ما يطرح شكوك كبيرة لدى البعض عن أسباب وأهداف هذه الاحتكار. وبالرغم من النمو والتطور الكبير في عمليات التصنيف الائتماني وبالرغم من أهميتها ودورها الكبير في اتخاذ القرارات، إلا أن وكالات التصنيف الائتماني ما زالت وبوضوح تعتبر أن التصنيفات التي تقوم بها هي مجرد آراء لا تضمن أي شيء بالنسبة للمستثمرين، وتؤكد أنها لا يمكن أن تتحمل العواقب الناتجة عن أي قرار يُتَّخَذ بناء على هذه الآراء، فتصنيفاتها ترتبط أولا بالجهة المصنّفة وأدائها المالي والتي بدورها مرتبطة بالدورة الاقتصادية والائتمانية المتغيرة، وبالتالي فإنه من الممكن وبأي لحظة أن يتغير تصنيف أي جهة حسب المعطيات والظروف العامة، وهو من ناحية أخرى الأمر الذي يدفع البعض للتساؤل عن جدوى هذه التصنيفات، وخاصة طويلة الأجل منها. وأخيرا وبرأيي الشخصي ولأن الفرق كبير بين التقييم والتوجيه، وبين النصيحة والوصاية، وحتى لا يصبح التصنيف الائتماني عائقا امام البعض وتمويل مجاني للبعض الآخر، فإنه يجب أن يُبنى على معطيات واضحة ومعادلات مرنة تقوم على أساس المتغيرات التي تواجه الدول والشركات بشكل دائم، وبالتالي فإنني أتذكر كلام الشاعر أدونيس حين قال: النقد كالفكر يتغذّى وينمو بالتساؤل المستمر، وهو لذلك يضع نفسه موضع تساؤل دائم، وإعادة نظر مستمرة، إنه نقيض المنهج المغلق، وهو لذلك بدءٌ يظل بدءاً.