الميزان التجاري.. مؤشر للمستقبل

تُشجّع العديد من الدول الصناعات المحلية وتنادي دوما باستهلاك منتجاتها الوطنية دعما للاقتصاد الوطني، بل وأكثر من ذلك فإن بعض الدول حتى تقوم بفرض رسوم أو وضع شروط ومتطلبات لأي مواد يتم استيرادها من الخارج في محاولة لخلق ميزة تنافسية للمنتجات المحلية وبالتالي إعطاؤها الأفضلية في الأسواق وذلك بهدف تحسين الميزان التجاري والوصول به للارتفاع ومن ثم لبر الأمان عبر تحقيق الفائض النقدي، وهنا يظهر السؤال المهم، فما هو الميزان التجاري ومما يتكون؟ وما هي أهميته ودلالاته الاقتصادية؟ وكيف تعمل الدول على تحسينه؟ أولا وقبل كل شيء فإنه ولمعرفة المقصود بالميزان التجاري يجب التعرف على مصطلحين مهمين وهما "الصادرات" و"الواردات"، وبشكل سريع فإن الصادرات هي جميع البضائع، والخدمات المنتَجة في بلد مُعين والتي يتم شراؤها من قبل المقيمين في بلد آخر، أما الواردات فهي عكس الصادرات وبالتالي فهي هي جميع البضائع، والخدمات المشتراة في بلد مُعين والتي يتم إنتاجها من قبل المصنعين في بلد آخر، وجدير بالذكر أننا يجب أن نُركّز في حساب الميزان التجاري على القيمة المالية لهذه الصادرات أو الواردات حيث لا تُعتبر نوعية هذه البضائع، أو الخدمات، أو كيفية إرسالها سواء كانت عبر الشحن، أو الأمتعة الشخصية، أو أي طريقة أخرى من الأمور المهمة لحساب الميزان التجاري لأي دولة، أما تعريف الميزان التجاري فهو وبكل بساطة إجمالي صادرات أي دولة في فترة زمنية مُحدّدة مطروحا منها واردات نفس الدولة في نفس الفترة الزمنية، أي أنه الفرق بين ما تنتجه الدولة وتبيعه للخارج وبين ما تقوم الدولة بشرائه من الدول الأخرى لإشباع حاجات السوق المحلي، وهو بيان إحصائي يتم استخدامه في الدول وتكون نتيجته إما فائضا وهو ما يحدث إذا ما كانت صادرات الدولة أكثر من وارداتها، أو عجزا وهو ما يحدث إذا كانت واردات الدولة أكثر من صادراتها وأخيرا تكون النتيجة ميزانا تجاريا متوازنا إذا ما تساوت قيمة كل من الصادرات والواردات وهو أمر نادر الحصول. وبالانتقال للحديث عن أهمية هذا الميزان ودلالاته فإنه يمكن تلخيصها بأن الميزان التجاري هو جزء مهم في عملية فهم اللغز العالمي للتجارة الدولية حيث تُظهر بيانات الميزان التجاري قيمة الواردات والصادرات من السلع وكيف يتنافس بلد ما تجاريا في السوق العالمية، كذلك فإن أرقام وبيانات هذا الميزان تُعطي تصورا واضحا عن النقد الأجنبي الذي قد تحتاجه الدولة في الفترات القادمة حيث إن معظم عمليات الاستيراد غالبا ما تتم بعُملات النقد الأجنبي أما الواردات فغالبا ما تكون بالعملة المحلية وهو ما يتيح للميزان التجاري فرصة إعطاء تصور عن حجم العملات الأجنبية التي يجب توافرها في دولة معينة لتلبية احتياجات سوقها المحلي، وهنا يبرز تأثير مهم لهذا الميزان في كمية الطلب والعرض على بعض العملات وهو ما قد يُؤثر لاحقا في سعر صرف بعض منها، ولنا في ما يحدث في لبنان من عجز كبير في الميزان التجاري وبالتالي ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتأمين استيراد المحروقات وغيرها من المواد الأساسية التي يحتاجها السوق ومدى تأثير ذلك على سعر صرف الدولار خير دليل على تأثير عجز هذا الميزان على قيمة العملات المحلية للدول. أما عن كيفية تحسين الميزان التجاري لأي دولة فإنه يتم عن طريق تشجيع الصادرات والذي غالبا ما يتم إما عن طريق تشجيع الصناعات المحلية وتسهيل عملية نقلها للخارج وبالتالي زيادة كمية وقيمة الصادرات أو عن طريق رفع أسعار المنتجات المُصدّرة وهو ما يكون في الغالب للسلع الحيوية مثل النفط والغاز وغيرها من المواد، ومن ناحية أخرى أيضا فإنه يُمكن تحسين هذا الميزان عن طريق تأمين بدائل للمنتجات المستوردة من أي دولة عن طريق توفير وتشجيع استهلاك المنتجات المحلية وهو ما يُقلّل لاحقا من كمية وقيمة الواردات. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن الميزان التجاري يحمل في طياته الكثير والكثير من الأسرار التي غالبا ما تكون مفتاحا مهما لبناء توقعات مهمة لحركة العملات في كثير من الدول وهو ما يعتبره البعض المؤشر الأهم للاستثمار المباشر بها، كذلك فإنني أعتقد أن دعم الصناعات المحلية وتوجيهها للحاجات الحقيقية للسوق المحلي وبالرغم من صعوبة وجودها في بعض الدول النامية إلا أنها الخطوة الأولى الصحيحة والأساسية لبناء اقتصاد قوي يستند على ميزان تجاري قادر على دعم العملة المحلية، وهنا أستذكر مقولة "توماس اديسون" وهو العالم الشهير"لا يجب أبدا إضاعة الوقت في اختراع أشياء لن يشتريها الناس" لأقول: "لا يجب أبدا على الدول إضاعة الوقت في دعم تصنيع أشياء لن يشتريها الناس".