ألم حميد

إن كل ذرة في الكون تشير إلى رحمة الله حتى الألم لم يخلقه الله لنا عبثا، انما هو مؤشر وبوصلة تشير الى مكان الخلل وتلفت النظر إليه، فألم النفس يدفعنا للبحث عن أنفسنا وألم الروح يلهمنا لفتح الآفاق الكبيرة للبحث عن سكينة أرواحنا، هذه الكلمات مقتبسة من أفكار الدكتور مصطفى محمود في وصف الألم وقد وجدتها تتناغم مع فكري الاقتصادي والإداري حيث أرى ان ألم الشركات والمؤسسات والذي يترجم الى حالات من التراجع في النمو والارباح وباقي المؤشرات الاقتصادية الحيوية، ما هو إلا ألم حميد ومفيد يساعد ويضع يد متخذ القرار على نقاط الضعف والتي لم تكن ظاهرة في فترات الرخاء والوفرة، وأيضا حالات التراجع في الاقتصاد الكلي كما حدث في معظم الدول في عام 2014-2015 كان أيضا ألما حميدا ساعد على توجيه الأنظار الى مواطن الخلل في البنيه المالية والاقتصادية المبنية على فكر الوفرة وقادت الى عمليات الحوكمة ورفع مستوى الشفافية. وهنا أود الإشارة الى بعد فلسفي فيما يتعلق بدراسة الفرق بين الفكر الإداري الصحيح والمخطط له وبين القدرة على التعامل مع المتغيرات والمسببات، على المستوى الفردي أولا ومن ثم يمكن اسقاطه على مستوى الشركات والدول، حيث يقول الامام الغزالي ان الله حر مطلق التخيير والمادة الجامدة مسيرة منتهى التسيير والانسان في منزلة متوسطة مسير ومخير في ذات الوقت والمعنى ان الانسان مطلق الحرية في منطقة ضميره وسريرته ونيته اما منطقة الفعل فهي المنطقة التي يتم فيها التدخل الالهي عن طريق تسبيب الأسباب وتغيير الظروف، والشاهد هنا ان التخطيط السليم يمثل التخيير والقدرة على اتخاذ القرار وان التعامل مع المتغيرات الخارجية والأسباب والمسببات هو جانب التسيير بمعنى التكاملية المطلقة والضرورة الحتمية للتخطيط المدروس وتكامله النسبي مع متغيرات الاحداث وهذا ان كان صحيحا على المستوى الفردي فلا شك انه فعال على مستوى الوحدات الاقتصادية بمختلف أحجامها، اذن الفشل او الخسارة هو موضوع نسبي بين ما قمنا بالتخطيط والعمل عليه وبين الظروف والمتغيرات التي حدثت وتحدث والألم هو المنبه الجميل الذي يساعدنا على التنبه لتغيير خططنا لتتناسب والمعطيات الجديدة. فبالألم نحيا وبالتعامل والتعايش والصبر عليه ومجاهدته تزداد الإرادة صلابة ويتحول القلق والخوف إلى تجارب سابقة تمت الاستفادة منها وتساعدنا على البقاء على اتصال دائم بالواقع، وبالألم نعيش انسانيتنا ونتميز عن باقي مخلوقات هذا الكون، ومع ازدياد الصدمات وتتالي الخسائر ينتقل الانسان أو المنظمة من مرحلة إلى أخرى أكثر عمقا على حسب حجم الخبرة التي اكتسبها حتى يصل إلى منطقة الحصانة والثبات، إلى لقاء آخر بلا ألم هذه تحية.